الشبكة العربية

الجمعة 05 يونيو 2020م - 13 شوال 1441 هـ
الشبكة العربية

انحرافات الصوفية في نظر أديب مصري كبير

في كتاب هذه حياتي للأديب المصري الراحل عبد الحميد جودة السحار (1913- 1974م) استوقفتني جملة سطور يتحدث فيها عن زيارةٍ له -وهو شاب صغير - بصحبة والده إلى ضريح البدوي بطنطا ، وفيها يقول : (... ورأيت أناساً يسجدون ليُقَبِّلوا العتبات الرخام ، وأناساً يتمسحون بالحديد الذي حول المقام ، ولا يكتفون بالتمسح بل يُقبِّلون في إيمانٍ عميق، ويطوفون بالمقام طوافهم بالكعبة ..... كانت وثنياتٍ تمارس على مرأى ومسمع من وزارة الأوقاف ورجال الدين . ولو طاوعت نفسي لأخذت أضرب ذات الشمال وذات اليمين ، فقد بلغ بي الضيق غايته ، فما كنت أراه كان بعيداً عن الدين النقي البسيط الذي جاء به ابن عبد الله عليه صلوات الله وسلامه. وارتفعت أصواتٌ تسأل السيدَ البدويَّ الشفاءَ وقضاءَ الحاجات ، فإذا بالدين الذي جاء ليقضي على الوسائط بين الله والناس جاء معتنقوه بشفعاءَ بينهم وبين ربهم ،وكأنما قد نسوا قول الله : "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان " " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم " . وغادرنا الجامع بعد الزيارة ،ولم أكن في قرارة نفسي راضياً عن شيء مما رأيت ، رأيت وثنياتٍ ترتكب باسم الإسلام ، وضلالاتٍ ليست من الدين في شيء ، وأناساً قد أتوا من كل مكان لبركة مزعومة ، فما جاؤوا ليسجدوا لله ، بل جاؤوا لقطب من الأقطاب ، وكأنما قد غاب عنهم : " وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً " ...)[ هذه حياتي ص: 216-217].
وبعد : فإن كاتب السطور السابقة -الأستاذ السحار - هو لمن لا يعلم  كاتب وأديب روائي مصري، له العديد من القصص التاريخية والاجتماعية ، وقد تحولت كثير من رواياته إلى أفلام سينمائية  ،وهو نفسه قد عمل في مجال السينما منتجاً ومؤلفاً وكاتباً للسيناريو ، وتولى منصب رئيس المؤسسة العامة للسينما عام 1968م ، كما أسند إليه منصب رئيس تحرير مجلة السينما عام 1973. 
وإنما أردت بهذا التعريف السريع أن أشير إلى أن الكلام السابق لم يصدر عن واحد ممن يحلو للبعض أن ينعتهم بالوهابيين أو المتشددين المتزمتين، وإنما صدر عن واحد من رجال الثقافة والأدب ، لكنه كان يملك -فيما يبدو- من الفطرة النقية والنشأة الطيبة والقراءات الصالحة ما جعله يدرك خطورةَ ما يفعله العامة عند قبور من يعتقدون فيهم الولاية والصلاح ،من الانحرافات والشركيات ،التي تحدث بكل أسف تحت سمع وبصر المنسوبين للعلم والدعوة في بلادنا .
إن من أعجب العجب أن تصدر هذه الكلمات التي تنم عن فهم عميق لصحيح الدين ،وغيرة شديدة على حدوده عن كاتب وأديب قصصي ، بينما نرى بعضاً من مشايخنا الرسميين يحاولون بشتى السبل إضفاء الشرعية على انحرافات العامة ومخالفاتهم العقدية . 
ومن ذلك فتوى لدار الإفتاء وقفْتُ عليها بجريدة اللواء الإسلامي بتاريخ ( 23/ 11/ 2015م ) تحت عنوان : حكم زيارة أضرحة آل البيت ، ومما جاء فيها أن ( زيارة قبور الأولياء وآل البيت من أقرب القربات وأرجى الطاعات قبولًا عند رب البريات؛ فإن زيارة القبور على جهة العموم مندوب إليها شرعًا؛ حيث حثَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على زيارة القبور فقال: " زوروا القبور فإنها تذكر الموت " ..... وبناءً على ذلك: فزيارة قبور آل البيت والأولياء والصالحين هي من آكد القربات، والقول بأنها بدعة أو شرك قول مرذول، وهو كذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وطعن في الدين وحَمَلَتِه، وتجهيل لسلف الأمة وخلفها، وعلى المسلم أن ينأى بنفسه عن هذه الأقوال الفاسدة والمناهج الكاسدة ...)إلخ.  
وأقول : يا سبحان الله ، وهل اعترض أحد على زيارة القبور بالطريقة الشرعية التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟  إنما نعترض على ما يحدث عند تلك القبور من الشركيات التي أشار الأستاذ السحار إلى شيء منها ، وإلا فقولوا لنا أيها العلماء : هل من الإسلام في شيء أن تُنذَرَ النذورُ لأصحاب تلك القبور وتُقدَّمَ القرابين لهم ؟ وهل من القربات التي تتحدثون عنها ما ترونه بأعينكم جهاراً نهاراً عند تلك الأضرحة من دعاء أصحابها وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات ، وهل يستقيم في عقيدة التوحيد التي يقول قرآنها العظيم : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ) ، أن يتوجه الناس بدعائهم إلى هؤلاء الموتى معتقدين فيهم النفع والضر ؟
بل قد جاءت الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بحرمة رفع القبور والبناء عليها ؛ كما في صحيح مسلم (970 ) عن جابر قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُجصَّصَ القبرُ ،وأن يُقعد عليه ،وأن يُبنى عليه ).وفي صحيح مسلم أيضاً (969) عن أبي الهيَّاج الأسدي قال : قال لي علي بن أبي طالب : ( ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ألا تدع تمثالاً إلا طمسته ،ولا قبراً مشرفاً إلا سويته ) .
كما ورد النهي صريحاً عن اتخاذ القبور مساجد ؛ كما في البخاري ( 427) ومسلم (528 ) عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً ،وصوروا فيه تلك الصور ،فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ) .وفي البخاري (435 ) ومسلم (531 ) أيضاً عن عائشة وعبد الله بن عباس قالا : ( لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصةً له على وجهه ،فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه ،فقال وهو كذلك : لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يُحذِّرُ ما صنعوا ). 
ألا فليعلم مَنْ لا يعلم أنَّ مِن أصحاب الأقوال -التي تصفها الفتوى المشار إليها بأنها أقوال فاسدة ومناهج كاسدة - علماءَ كبار تولوا أعلى المناصب الدينية في مصر ، منهم شيخ الأزهر السابق الشيخ محمود شلتوت رحمه الله ،وذلك حيث قال في كتابه الفتاوى ص: 169 :  ( إن الدين الحق لا يعرف شيئاً يقال له : مقامات الأولياء ...وإنما يَعرف كما يعرف الناس أن لهم قبوراً ، وأن قبورهم كقبور سائر موتى المسلمين يحرم تشييدها وزخرفتها ، وإقامة المقاصير عليها ، وتحرم الصلاة فيها وإليها وعندها ،وبناء المساجد من أجلها ، والطواف بها ومناجاة من فيها والتمسح بجدرانها وتقبيلها والتعلق بها ، ويحرم وضع أستار وعمائم عليها ،ويحرم إيقاد شموع أو ثُريَّاتٍ حولها .وكل ذلك مما نرى ويتهافت الناس عليه ويتسابقون فى فعله على أنه قربة لله ، أو تكريم للولى ،خروج عن حدود الدين ،ورجوع إلى ما كان عليه أهل الجاهلية الأولى ، وارتكاب لما حرمه الله ورسوله فى العقيدة والعمل ....) . ومثل ذلك فتوى الشيخ الباقوري رحمه الله حين كان وزيراً للأوقاف والتي نقلها الشيخ الغزالي رحمه الله مقراً لها في كتابه ليس من الإسلام (ص: 256  ) ،والتي وصف فيها تزيين القبور وإقامة الأضرحة عليها بأنه : ( ضرب من الوثنية وعبادة الأشخاص، وقد منعه الإسلام، ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم  وحث على تركه ) . وغير ذلك كثير من أقوال علماء أجلاء : كالشيخ عبد المجيد سليم ،والشيخ أحمد شاكر ،والشيخ سيد سابق ،وغيرهم ،رحمة الله عليهم أجمعين.

 

عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين
14/ 8 / 1441هـ-7/ 4/ 2020م


 

إقرأ ايضا