الشبكة العربية

الأحد 17 نوفمبر 2019م - 20 ربيع الأول 1441 هـ
الشبكة العربية

الهجرة، وأسئلة في مرارة الواقع

بين مرور ذكرى الهجرة في كل عام تزداد كوارث شعوبنا العربية وسط موجات من الهجرة القسرية أغلبها من الوطن العربي الجريح.
وعجيب أن تأتي هذه الذكرى وملايين النفوس من البشر تعاني انكسارًا في كبريائها وكرامتها لأنها لا تهاجر وإنما تُهَجَّر قسرًا من بلادها في واقعنا الراهن تحت قذائف المدافع وغارات الطيران واستعمال كل أدوات القتل والتدمير. 
عجيب أيضا أمر التاريخ حين يمزج في توثيقه بين نغمة الحزن والإحساس بالغربة في حادث الهجرة النبوية الشريفة وبين الأمل في العودة والتي انتهت بفرحة العودة لذات الموطن بعد حين مكللة بآكاليل النصر ومتوجة بتحقيق الوعد الحق في حياة النبي العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، فهل يتحقق مثل هذا الأمل بوعد جديد لكل من هجروا قسرا.....؟ 
جموع بشرية مدفوعة للهجرة قسرًا، باعثها الأول هو اليأس من الحصول على مجرد فرصة حياة هروبا من أمطار القذائف التي تتساقط على رؤوسهم، وتحصد كل يوم عشرات ومئات القتلى والجرحى، 
بينما العالم الغربي ينظر إليهم ـ وبخاصة اليمين المتطرف ـ ـفي مجتمعات المهجر على أنهم "مشكلة فائض سكاني" تهدد استقراره وتغير بنيته الاجتماعية وتؤثر في نسيجه النقي الذي يجب أن يظل نقيًا.
وإلى الآن كثير من هؤلاء المهجرين قسريا يعانون مرارة الاحتجاز في معسكرات المحتجزين المشردين -لأنهم من جنس معين، ومن خلفية معينة، ولم يحظوا بما حظيت به بعض الحيوانات المائية من الحماية والرعاية، وضمان المأمن مهما كانت قريبة من الصياد الغادر، حيث القانون الدولي يوفر الحماية لهذه الحيوانات المائية بينما لا يوفرها لهؤلاء المهجرين "قسريا" الذين كانوا أعزة في أقوامهم، ولهم حياة كريمة ومستقرة وآمنة، يملكون فيها حقولا وبيوتا ومصانع ومتاجر في أوطانهم. 
أزمة الهجرة رغم تكرارها وفداحتها لم يتعرض لها إلا قلة قليلة  بالدراسات الجادة تحقيقًا وتحليلًا، ومع يقيننا أن هناك باحثين غاية في المنهجية العلمية إلا أن أصواتهم وربما نتائج أبحاثهم لن تكون محل عناية في ظل منظومة عربية مهترئة لا تنشغل بالبحث العلمي ولا تعيره اهتمامًا ولا تعتمد غير القوة الخشنة في التعامل مع كل المشكلات، ولو كانت نفسية وأخلاقية أو اجتماعية، وهو منطق لا يؤمن بقوة العقل أو العلم بقدر ما يؤمن بمنطق «الفهلوة» والضحك على الناس وخداع الجماهير واستغلال بساطتهم وسذاجتهم والتغرير بهم واللعب في عقولهم عن طريق الأذرع الإعلامية التي تضمن له مساحة من الجدل كوسيلة لتفريغ طاقات الغضب، أو تحويل الاهتمام لأمور بعيدة عن القضايا الحيوية التي يتمركز حولها اهتمامات الناس وبخاصة الطبقات الشعبية.
الهجرة من مكان إلى مكان لا تتم عادة إلا إذا كانت هناك مشكلة في المكان الأول، فهل الهجرة تشكل مشكلة في زمن العبث المعاصر؟ 
وإذا تحولت المشكلة إلى أزمة فكيف يمكن أن نواجهها وأن نوجهها ؟ 
وكيف نطبق نصوص الهجرة في كتابنا الخالد لنواجه بها أزماتنا المعاصرة؟ 
وهل يمكن أن نجد تشابها في حقل التطبيق بين الواقع المر الذي فرضته ظروف الحروب العبثية وبين النصوص؟ 
قبل الدخول في حقل تطبيق النصوص على مجالها في الواقع لا بد لنا من تعريف الأزمة.
الأزمة crisis هي خلل مفاجئ نتيجة لأوضاع غير مستقرة يترتب عليها تطورات غير متوقعة نتيجة عدم القدرة على احتوائها من قبل الأطراف المعنية وغالبا ما تكون بفعل الإنسان [1] الأزمة هي حالة توتر ونقطة تحول تتطلب قرارًا ينتج عنه مواقف جديدة سلبية كانت أو إيجابية تؤثر على مختلف الكيانات ذات العلاقة [2]
الإدارة بالأزمات: Management by Crisis
الإدارة بالأزمات «هي فعل يهدف إلى توقف أو انقطاع نشاط من الأنشطة أو زعزعة استقرار وضع من الأوضاع بهدف إحداث تغيير في هذا النشاط أو الوضع لصالح مدبره»
وإدارة الأزمات: تعنى العمل على تجنب تحول النزاع إلى صراع شامل بتكلفة مقبولة لا تتضمن التضحية بمصلحة أو قيمة جوهرية، ويقصد بالنزاع هنا أي نزاع ينشأ على أي مستوى من مستويات العلاقة الإنسانية وفي أي مجال من مجالاتها.
وتكمن براعة القيادة في تصور إمكانية تحويل الأزمة وما تحمله من مخاطر إلي فرصة لإطلاق القدرات الإبداعية تستثمر الأزمة كفرصة لإعادة صياغة الظروف وإيجاد الحلول السديدة «ولا شك أن التوجه الإيجابي يهيئ لإدارة الأزمة التفاعل الحي والمبدع مع التحدى الكبير الذي تواجهه بالقدر الذي يحكمها من تحويل الخطر إلي فرصة يمكن استثمارها وتحويل إحباطات المحنة إلى مناخ يحفز فعاليات الجهود الإبداعية» [3]
على ضوء تلك التعريفات علينا تحديد الأزمة وصفًا وحقيقة في حياتنا المعاصرة، وهل فعلا لدينا أزمة؟ أم أن كل شيء على ما يرام؟
كتبة الأنظمة وسدنة إعلامهم يجتهدون في تصوير الواقع بأنه وردي، وأن الحياة «بمبية» اللون، ويستدلون على ذلك بزيادة عدد الهواتف الجوالة وزيادة استيراد السيارات، ومن ثم فالناس يعيشون في التبات والنبات وينجبون صبيانًا وبنات، كما يقول كتبة الأمن والطبقة المخملية؟
كارثة تسطيح العقول تظهر آثارها في مثل تلك الأزمات الحادة، وترتد بقوة وبشدة مخيفة على من فعلوها وسطحوا عقول هؤلاء وحولوهم إلى مجرد بلطجية واستعملوهم في فترة من الفترات وسيلتهم في إسكات الخصوم وتهديد حياتهم.
فهل هنالك أزمة فعلا؟
الباحث الجاد سيواجه بأسئلة كثيرة مهمة ومشروعة تصدع الرأس بحثًا عن الأسباب الحقيقية التي تجعل المواطن الحر يترك بلده ووطنه وأهله ويذهب بعيدًا ليعيش معاناة الغربة والوحشة، والضياع أحيانًا.
فهي أسئلة مهمة إذا أردنا توصيف الظاهرة وبحث أسبابها ودوافعها وبواعثها وحالة المهاجر ذاته وظروفه وبيئته.
وهي أسئلة مشروعة لأن بعض هذه الأسئلة يتصل بغياب المشروعية القانونية لكثير من الممارسات التي تتم في غيبة القانون ذاته، أو بالازدواجية في تطبيقه من جهة، وبعضها الآخر يرتبط بدراسة سيكولوجية الناس على مدى نصف القرن الأخير وما طرأ عليها من تغييرات وعناصر جديدة أكثرها سلبي من جهة ثانية.
وقبل الدخول في الموضوع عرضًا وتحليلًا نود أن نسأل أسئلة مشروعًة تتصل بالواقع، 
• لماذا يهاجر الإنسان أصلًا ويترك وطنه وأهله ويتخلى عن كل الروابط التي جمعته بالمكان والزمان والناس.....؟ 
• ما الأشياء التي تجعل الوطن يضيق بأهله؟ 
• هل الضيق في المساحة المكانية أو الجغرافية ومن ثم الضيق في مصادر الثروة وفقدان فرص العمل هو الدافع إلى الهجرة....؟ 
• أم هو في غياب سلطان الدولة على مؤسساتها بعدما توغلت بعض هذه المؤسسات، وأصبحت تتصرف وتمارس دورها لا كمؤسسة في دولة، وإنما كدولة فوق الدولة لا تخضع للقانون العام، وكأن كل مؤسسة جزيرة منعزلة تفعل ما يحلو لها، وكأنه لا رابط يربطها بالنظام العام الذي يحكم المجتمع، بل تفرض قوانين خاصة بها تمارس من خلالها الحبس والسجن وتضغط على النظام وتبتزه وتهدد رموزه، كما تفعل بعض الطوائف والأقليات، ثم تكون في مأمن من كل أنواع المؤاخذة والعقاب، فلا يوجه إليها حتى مجرد التأنيب أو اللوم؟  
• أم أن المسألة ظاهرة فساد تجتاح العالم كله بما فيها الدول الكبرى، نتيجة الديون العامة ونفوذ مؤسسات المال الدولية وشروط الممول، غير أنها تظهر جلية واضحة في الدول الصغرى ودول العالم الثالث نتيجة ضعف الأنظمة واهترائها وعدم قدرتها على ممارسة الشفافية خوفًا من الفساد المتفشي.....؟
• وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يهاجر مواطنو العالم الثالث بينما مواطنو الشمال لا يهاجرون ولا يتركون بلادهم....؟ 
• هل التشرذم والهجرة والمعاناة لنا وحدنا بينما هم لهم وحدهم الثراء والثروة والاستقرار؟ 
• وأين الخطط الخمسية والعشرية والإنجازات التي تحدثوا عنها في العالم الثالث؟
• أين التنمية والنهضة والدخول في الركب الحضاري والاستفادة من التكنولوجيا الجديدة في تنمية الموارد والمواهب والاكتفاء الذاتي والعمل على استقلال القرار....؟
• أم هو الضيق في مساحة الحرية وفي فقدان الضمير، وانتشار الوساطة والمحسوبية، وشيوع الفساد وغياب الرقابة، والازدواجية في تطبيق القانون ذاته حيث يطبق بحزم على أناس بينما لا يسأل آخرين من أين لكم هذا....؟  ومن ثم تكون الأزمة أخلاقية في الأصل والمنشأ، تولد منها الفساد والاستغلال والاحتكار وإساءة استعمال الثروة، 
أم أن الأزمة في اختلال الحال وإساءة استعمال السلطة واستغلال النفوذ، واحتلال الوطن بوجود مستعمر محتل من الخارج، أو دكتاتور محتل من الداخل يصادر الحريات ويحطم القدرات والكفاءات، ويحقر أهل العلم ويقرب الجهلاء...؟  وكما يقولون الحاكم السوء يُقَرّبُ الدنيء ويبعد البريء، ويحب المنافق ويقدم الموافق.
الواقع يخبرنا بأن كل هذه العوامل أدت إلى هجرة العقول من موطنها الأصلي لتستثمر أو لتستنزف في بلد آخر، كما يحدث الآن في الكفاءات والعقول العربية المهاجرة من أوطاننا. 
أسئلة تجعل الباحث حيران لا يعرف من أين يبدأ في ترميم الصورة وإعادة رسم الملامح، ولا من أين تبدأ طرق المعالجة بعد أن اتسع الخرق وأصيب الإنسان في إرادته فأضحى مشلولًا بين الحياة والموت، يصدق عليه بيت الشعر الذي يقول:
أومسلمون وأمة شلاء … لا ميتون ولا همو أحياء
أحسب أن حالات اللامسؤولية والفوضى والعبثية والإحباط أغلبها في التحليل النهائي يعود لغياب مشروع قومي أو وطنى كبير تلتقي فيه إرادة الجماهير مع آمالها في التطور والتغيير والنهضة تلاقيا حرًا بعيدًا عن حشد القوى الخشنة أو القوى الناعمة لشعارات مفرغة من محتواها تسببت في ضياع كبير يستشعره الآن الخاصة والعامة ومن يملكون ومن لا يملكون؟
العبث السياسي الذي تعيشه جماهير الوطن الكبير مخيف وخطير، وينبئك بخبرة الواقع وتحليل الأحداث وتراكم المواقف المتشابهة أن القطار خرج بالقطع عن القضبان، وأن مهمة المحولجي لم تعد تجدي، وأن أدوات التحذير لديه لم تعد مسموعة وسط صراخ الركاب وضجيج العجلات التي تتعثر خارج الشريط الحديدي.
عوامل الإنقاذ يجب أن تكون في حالة استعداد لإنقاذ وعلاج الضحايا، لأنهم سيكونون بالملايين.
أزمة الهجرة المعاصرة في سوريا وليبيا وغيرها لن تكون النهائية لأنها نموذج صغير لحالات الاستبداد والفساد والإحباط التي تنتشر وسط شعوب الأمة، والخوف كله أن يتحول هذا الإحباط إلى العقل الجمعي الذي يسود في الأزمات فلا يترك فرصة لعقل الفرد أن يفكر قبل الإقدام على الخطر، وهذا ما يخشاه المهتمون بالوطن شعوبًا وثقافة وتاريخًا، والخشية تحديدًا من حدوث حالة هياج عشوائية تأكل الأخضر واليابس ولا تبقي ولا تذر، لأنها لا تملك أدوات التمييز بين ما هو من ممتلكات الشعب، وما هو ملك سادة الأنظمة وأعوانهم.
وأخيرًا:
ثمة سؤال آخر، هل الحديث عن هجرة القلوب من الارتباط بغير الله ليكون ارتباطها بالله الواحد طلبا للهداية والرشد، «فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم» ﴿العنكبوت: ٢٦﴾ هل لا يزال لهذه المعاني مكان بين ضجيج السعار العالي حول تحسين المعيشة، وهتافات الجائعين وتظاهراتهم للمطالبة بتحسين أحوالهم؟
هل المعاني الروحانية العظيمة عن الهجرة والفتح والجهاد والصبر وقيام الليل وأداء الفرائض لا يزال له سوق وسط سيطرة تجار العلمانية وأدعياء الحداثة على إعلامنا صحفًا وجرائد ومجلات وقنوات فضائية؟ هل بقي لهذه الروحانيات مكان وسط بقايا الإنسان الذي تضافرت مؤسسات الشر على تحطيم قيمه وتغييب إيمانه وضغط رسالته ووجوده وبقائه في البحث عن تأمين البيت والزيت والطعام والجنس فقط؟
هل بقي وسط هذه الغرائب والخرائب مكان لسلطان العقل والقلب والمشاعر السامية والوجدان النظيف؟ «وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» ﴿النساء: ١٠٠﴾ هل بقي من هذه المعاني العظيمة شئ أم أن التخريب طال كل شئ ونال من كل قيمة واستباح كل مقدس؟ 
إذا كانت الهجرة حدثا من أحداث التاريخ، فإن التاريخ هو بنها البكر ، قد ولد منها، وبها كانت بدايته
سلام على كل من هاجر، ولم يجد بعد مأواه، .......كل عام وأنتم بخير                                                                                         ---------------------------------------------------------------------------------------------
المصادر
 [1] ـ د. فهد الشعلان إدارة الأزمات ص 24 أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية الطبعة الأولى 1419هـ 1999م
2ـ ماهر جمال الدين علي التخطيط الأمنى لإدارة عمليات مواجهة الكوارث، ورقة عمل مقدمة إلى المؤتمر الشرطي الثاني لتطوير العلوم الأمنية. القيادة العامة شرطة دبي . إبريل 1994 ص 6
[3] ـ عبد سعد الأحمدي . المنظمة الموقفية في إدارة الأزمات رسالة ماجستير . معهد الدراسات العليا أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية بالرياض 1414هـ ص187
 

إقرأ ايضا