الشبكة العربية

الأحد 22 سبتمبر 2019م - 23 محرم 1441 هـ
الشبكة العربية

الهجرة من منظور سياسي

في مثل هذه الأيام منذ أكثر من أربعين عاماً -وكنتُ أخطو خطواتي الأولى في الدراسة الجامعية–استمعت بإحدى كليات جامعة القاهرة إلى محاضرةٍ للعالم الجليل الشيخ محمد الغزالي رحمه الله .وكانت تلك المحاضرة بمناسبة بداية عام هجري جديد كان قد حل في ذلك الوقت .
وكان عهدُنا بالحديث عن الهجرة أن يتناول المتحدثون وقائع الهجرة وما دار فيها من أحداث ، وكيف نجَّى الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم ورفيقه أبا بكر من المشركين حتى وصلا إلى المدينة بسلام . لكني في تلك المحاضرة رأيت تناولاً آخر لموضوع الهجرة ، ليس فيه حديث عن العنكبوت ولا الحمامة ولا الغار. وإنما راح الشيخ رحمه الله يتحدث عن أحوال المسلمين وما تعانيه الأمة المسلمة من تكالب أعدائها وتآمرهم عليها .ولعلي لا زلت أذكر بعض ما تناوله في حديثه مِن أن هناك مَن يستكثر على المسلمين أن يعيشوا تحت ظل دولة تحتكم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ، ويعتبر المطالبة بذلك نوعاً من التخلف والرجعية ،بينما يوجد على حدودنا الشرقية دولة تقوم على أساس ديني ، ولا يخججل قادتها من أن يعلنوا أن أساس دولتهم هو توراتهم المزعومة ، كما أن النصارى الذين تقول كتبهم : ( أعطِ ما لله وما لقيصر لقيصر ) لهم دولة يرأسها بابا الفاتيكان ، فلماذا يحرم على المسلمين ما يباح لغيرهم ؟
كان هذا الكلام في مثل هذه المناسبة –كما أسلفت- غريباً بالنسبة لي ، وهو كذلك غريب بالنسبة لكثير من الناس الذين لا يفهمون من الدين إلا أنه علاقة شحصية بين العبد وربه ، وأقصى ما يتصورونه من معنى الهجرة أنها كانت انتقالاً من مكان لا يستطيع فيه المسلمون أن يعبدوا ربهم بحرية وأمان إلى مكان يستطيعون فيه أن يفعلوا ذلك بلا خوف من اضطهاد أو تعذيب . 
لكن َّكلام الشيخ الغزالي فتح أعيننا على معنى آخر مهم من معاني الهجرة . ذلكم هو المعنى الذي يمكن تسميته بالمعنى السياسي للهجرة ، وهو المتمثل في أنها كانت في بعض جوانبها تنفيذاً لبنود بيعة العقبة الثانية التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع ممثلي أهل يثرب من الأوس والخزرج ،والتي كانت بنودها تختلف عن بيعة العقبة الأولى التي ركز فيها النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عبادة بن الصامت عند البخاري( 3892)  ومسلم ( 1709) على ألا يشركوا بالله شيئاً ،ولا يسرقوا ،ولا يزنوا ،ولا يقتلوا أولادهم ، ونحو ذلك مما لا علاقة له بأمور السياسة والحرب .
أما البيعة الثانية فكأنه كان معلوماً قبل الاجتماع لها أن الهدف منها الترتيب لقدوم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وما يستتبع ذلك من قيام دولة ذات سيادة على بقعة من الأرض ،لها حاكم وبها محكومون .ولكل من الحاكم والمحكوم حقوق وعليه واجبات .ولذلك قال لهم العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وكان حاضراً تلك البيعة رغم أنه كان لا يزال على دين قومه : (إن محمداً منا حيث قد علمتم ،وهو في منعة من قومه وبلاده ،قد منعناه ممن هو على مثل رأينا فيه، وقد أبى إلا الانقطاع إليكم وإلى ما دعوتموه إليه، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه فأنتم وما تحملتم، وإن كنتم تخشون من أنفسكم خذلاناً فاتركوه في قومه ،فإنه في منعه من عشيرته وقومه.) [ أخرجه أحمد والطبراني في الكبير وابن إسحاق في السيرة وصححه ابن حبان من حديث كعب بن مالك ] . وقد كان من مقتضيات هذا الترتيب أن يعرف الأنصار دوْرَهم وما هو مطلوب منهم تجاه إقامة تلك الدولة الوليدة ، لذا قالوا له كما في حديث جابر عند أحمد وصححه الحاكم وابن حبان : ( يا رسول الله علامَ نبايعك ؟ فقال بايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم ،وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبنائكم، ولكم الجنة ).
ومن هذه الوجهة تكون بيعة العقبة الثانية أوَّلَ عقد اجتماعي حقيقي عُرف في التاريخ الإنساني . وذلك أننا درسنا في مبادئ العلوم السياسية أن من النظريات المفسرة لنشأة الدولة ما يسمى بنظرية العقد الاجتماعي ، وهي نظرية تبناها بعض مفكري الغرب في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، وهي تفترض  أن بداية نشأة الدولة في التاريخ كانت بأن اجتمع جماعة من الناس وعقدوا عقداً اجتماعياً مع من سيتولون حكمهم والسيادة عليهم ، وكان أبرز من تبنى هذه النظرية الإنجليزيان : توماس هوبز، وجون لوك ، والفرنسي جان جاك روسو . وبين الثلاثة اختلافات في تفاصيل بنود هذا العقد بين الحاكمين والمحكومين ،إلا أنهم كلهم متفقون على أن هذا التعاقد الاجتماعي هو مجرد افتراض نظري لا يملكون إقامة الدليل على حدوثه فعلاً في التاريخ . أما البيعة بين النبي صلى الله عليه وسلم والأنصار فهي بيعة حقيقية وصلت إلينا بأصح الأسانيد في كتب السنة والسيرة. كما أنها ذات بنود وشروط يظهر منها بجلاء أن هناك كياناً سياسياً سيقام ، وهو دولة الإسلام الوليدة ، وأنه لا بد لهذه الدولة من رئيس يُسمع له وُيطاع ، كما أن تلك الدولة تحتاج إلى الحفاظ عليها داخلياً بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وخارجياً بفريضة الجهاد المشار إليها بقوله : ( وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم ،وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبنائكم ).
وإن من أعظم ما يدل على أن تلك البيعة كانت عقداً اجتماعياً حقيقياً ما حدث في غزوة بدر ، من استشارته صلى الله عليه وسلم لأصحابه في شأن القتال وإصراره على سماع رأي الأنصار في ذلك . وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن العير التي كانوا قد خرجوا لملاقتها قد نجت ،وأن أبا جهل قد خرج على رأس جيش لقريش حتى جاء ماء بدر فنزل به ، فإنه صلى الله عليه وسلم قد استشار أصحابه : في المضي لملاقاة العدو مع ما في ذلك من مواجهة جيش قريش وخوض معركة لم يستعدوا لها ، أو الرجوع إلى المدينة . وتكلم من المهاجرين أبو بكر وعمر والمقداد ، وكلهم أيد السير لملاقاة المشركين ، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ بذلك بل أخذ يقول : ( أشيروا علي أيها الناس ) ، وكان يقصد بذلك سماعَ رأي الأنصار ؛ وذلك لأن نصوص بيعة العقبة كانت تُلزم الأنصار بنصرته صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه ما دام في المدينة ، أما في خارجها فإنه ليس في البيعة ما يفيد إلزامهم بذلك ، فلما كان في السير لملاقاة جيش قريش زيادة على بنود العقد المبرم بينهما فإنه صلى الله عليه وسلم أبى إلا  أن يأخذ رأي الأنصار في ذلك ، وألا يمضي في شيء لا تلزمهم البيعة به إلا بموافقتهم .وهنا كان الموقف المشهود لسعد بن معاذ رضي الله عنه –وكان حامل راية الأنصار في تلك الغزوة – حيث قال كما في سيرة ابن هشام وغيره : ( والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال :أجل . قال : فقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا ، على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق ، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ....) إلخ ما قاله رضي الله عنه .
وإن ذلك ليؤكد ما ذكرته في مقالة سابقة من أن اختيار الصحابة في عهد عمر رضي الله سنةَ الهجرة لتكون بداية للتاريخ الإسلامي قد لوحظ فيه أهمية الدولة في الإسلام ؛فحيث كانت الهجرة بدايةً للعز والتمكين ناسب أن تكون بدايةً للتاريخ، فكأنهم رأوا أن تاريخ الإسلام الحقيقي يبدأ بقيام دولة الإسلام في المدينة بعد الهجرة النبوية المباركة ، هذا والله تعالى أعلى وأعلم .
عبد الآخر حماد- عضو رابطة علماء المسلمين- 28/ 12/ 1440هـ- 29/ 8/ 2019م
 

إقرأ ايضا