الشبكة العربية

الجمعة 30 أكتوبر 2020م - 13 ربيع الأول 1442 هـ
الشبكة العربية

الموجة الثانية من كورونا وطفراتها

في بضع ساعات تتم دورة تضاعف الفيروس، وتنتج عنها أعداد كبيرة من الفيرسات النسل، ودائماً يصاحب عملية نسخ الحمض النووي حدوث طفرات في جينوم هذه الفيروسات، ومن ثم ظهور نسخ متشابهة quasispecies للفيروس الواحد، وهي خاصية هامة للفيروسات للحفاظ علي نوع سلالات الفيروس، لذا نري إختلاف وتباين في عدد السلالات وتحت السلالات للفيروس الواحد serotypes وذلك حسب نوع الفيروس وطبقا لإستجابتها المناعية ، تلك الظاهرة منتشرة في الفيروسات التي تحمل جينوم آر إن إيه RNA مثل فيروس كورونا المستجد والإنفلونزا، لأن أخطاء عملية نسخ الحمض النووي في هذه النوعية من الفيروسات تحدث بمعدل كبير مقارنة بفيروسات دي إن إيه DNA، بسبب أن هذه الأخيرة يصاحبها آليات تصحيح أخطاء النسخ فيها، لذا فإن التنوع في مجتمع تلك الفيروسات أقل كثيراً عنه في فيروسات آر إن إيه، وعموماً كلما زاد حجم جينوم الفيروس، قل معدل التطفر فيه.

وحتي لا نزعج مما يحدث من طفرات كثيرة وبصورة مستمرة، وخاصة في فيروسات آر إن إيه،  فإن غالبية تلك الطفرات تكون غير ممرضة، وهذه رحمة من الله بالإنسان والحيوان. الأخطاء التي تصاحب عملية النسخ وما ينتج عنها من طفرات لها حدود أوعتبة threshold ، وتكمن المشكلة إذا كانت الطفرات تحتها أي أو فوقها عنها بصورة كبيرة، لأنها إذا كانت أقل من تلك العتبة below it فإن الطفرات الناتجة-سلالات الفيروس-ستصبح غير قادرة علي البقاء ومن ثم سوف تتدهور وتنتهي، في المقابل إذا فاقت وتخطت العتبة exceed it فسوف تفقد بالتالي قدرتها الإمراضية، من أجل ذلك توجد آلية تسمي "بالسقاطة ratchet" وهي بمثابة فرامل-عند اللزوم-توقف إستمرار حدوث وتراكم الطفرات من أجل أن يحافظ الفيروس علي نوعه، ومن ثم يحدث دائماً أن تكون الطفرة قريبة من العتبة بحيث ينتج عنها تنوع في السلالات الناتجة عن تضاعف الفيروس.

ولأن تراكم الطفرات مع الوقت قد يؤدي إلي تغيير في بروتينات الفيروسات، والذي يترتب عليه حدوث تغيير في مكان أو أماكن علي سطح الفيروس تسمي epitopes، مما قد يؤدي بسلالات الفيروس النسل أن تنجح في الإفلات من خلايا الجهاز المناعي عند إصابتها للجسم ثانية، حيث كانت طبوجرافية السلالة الأصلية معروفة سابقاً للجهاز المناعي، وعليه فإن قدرات الفيروس الإمراضية قد تزيد في الفيروسات النسل، علي سبيل المثال سجل العلماء أنه بحدوث تغيير في حمض أميني واحد في غلاف فيروس شيكونجونيا Chikungunya virus وهو من فيروسات آر إن إيه، ينتقل عن طريق البعوض ويصيب الإنسان ويسبب حمي وآلام بالمفاصل، فإن هذا التغيير البسيط قد أسفرعن قدرة الفيروس للإنتقال بنوع آخرمن البعوض وهو Aedes albopictus بعدما كان ينتقل بنوع واحد فقط وهو Aedes egypti، مما ترتب عليه زيادة وإتساع في إنتشاره وتفشيه حول مناطق كثيرة حول العالم والتي يكثر فيها البعوض.

فيما يخص كوفيد-19، ومنذ عدة أشهر صرح العلماء بحدوث طفرة في بروتين أشواك فيروس كورونا المستجد SARS-CoV-2، وسميت ب"D614G" تلك الطفرة إكتشفت في فبراير الماضي وصرحت بها منظمة الصحة العالمية، هذه الطفرة جعلت الفيروس من وجهة نظر بعض الباحثين أكثر إمراضية للخلايا البشرية، حيث زادت من سهولة إلتصاق أشواك الفيروس بمستقبلات إيسي تو ACE-2 الموجودة في أماكن من جسم الإنسان وخاصة الممرات التنفسية والرئة ومن ثم زيادة في إنتشار الفيروس والعدوي.

الطفرات التي تحدث لغالبية فيروسات آر إن إيه، تؤثر سلباً علي صناعة اللقاحات، وهو ما يفسرسبب وجوب أخذ لقاح الإنفلونزا سنوياً حسب التغييرات والطفرات التي تحدث في سلالات الفيروس والتي تثبت في السلالة الشائعة عالمياً ويستقرعليها علماء الفيرولوجي وينتج لقاح متخصص لها.

 بالنسبة للموجة الثانية من فيروس كورونا المستجد، والتي يكثر حالياً الحديث والجدل حولها، فلا توجد حقائق أو أبحاث تؤكد علي بدء إنتشارها، بالرغم من الأنباء التي تفيد بزيادة عدد الإصابات حالياً في بعض البلدان حول العالم، فقد صرح رئيس وزراء بريطانيا جونسون بأن بلاده تشهد موجة ثانية من كورونا، عموماً تحذير شديد من قبل العلماء من حدوث موجة ثانية يصاحبها إنتشار كبير لكوفيد-19، خاصة في فصل الشتاء القادم، حيث يزيد المناخ والرطوبة من فرصة إنتشار فيروس كورونا المستجد بصورة كبيرة، وليس في مقدرة العالم بما فيه من علماء وأمكانيات من عمل شيء يوقف الجائحة، سوي إلتزام الأشخاص بالتدابير الإحترازية للوقاية، ومعها أمنيات الميليارت حول العالم كي يتم إنتاج لقاح جيد وفعال ليكون في متناول ومتاحاً للجميع.

دكتور رضا محمد طه-أستاذ الفيروسات كلية العلوم جامعة الفيوم 
 

إقرأ ايضا