الشبكة العربية

الأربعاء 22 يناير 2020م - 27 جمادى الأولى 1441 هـ
الشبكة العربية

المنفلوطي وآراؤه في الإصلاح الديني

مصطفى لطفي المنفلوطي ( 1876- 1924م) واحد من أدباء العربية المعدودين في القرن الميلادي المنصرم .وهو مُصنَّف عند كثير ممن كتبوا عنه على أنه أديب يُعنى بإنشاء كتاباتٍ تعتمد على حسن اللفظ وجودة الأسلوب ،وأنه كان يميل إلى الكتابة الحزينة التي تتحدث عن مآسي الحياة ،ومصائب الناس وابتلاءاتهم ،حتى اتهمه البعض بإشاعة روح الضعف والتخاذل في نفوس الشباب ،وكان الأستاذ العقاد أيام كان مدرساً يتندر على كون الطلاب يتأثرون -عند كتابة موضوعاتِ الإنشاء - بأسلوب المنفلوطي المعتمدِ على إثارة العواطف ،واستدرار مشاعر الحزن والأسى ،وقد بلغت السخرية عنده –كما يذكر الأستاذ جمال بدوي  في كتابه :حكايات مصرية ( ص: 53) - أن يطلب من طباخ المدرسة أن يجمع مخزون البصل عنده ،ثم يقدمه للتلاميذ في حصة الإنشاء ،ليستخدموه في استدرار الدموع بدلاً من أدب المنفلوطي ؛فالبصل بحسب تعبيره أولى بمهمة تصريف الدمع من كراسة الإنشاء .
 ولكنَّ الحقيقة أن المنفلوطي كانت له مع ذلك نظرات مهمة في إصلاح الفرد والمجتمع ،لم يركِّز عليها كثير ممن كتبوا عنه . ومن تلك الجوانب المنسية في تراث المنفلوطي دعوته للإصلاح الديني على أساسٍ من عقيدة الإسلام الأولى ؛حيث كان يدعو إلى تنقية الدين مما علق به من البدع والخرافات التي ألصقت به وليست منه . ولعله تأثَّرَ في ذلك بمنهج أستاذه الشيخ محمد عبده ،الذي كانت هذه الجزيئة تمثل جزءاً من منهجه في الإصلاح ،برغم ما قد يوجد في ذلك المنهج من نقصٍ في جوانبَ أخرَ لا مجال لإثارتها الآن . وقد كان المنفلوطي من تلاميذه المقربين ، بل ذكر الأستاذ الزيات في مقال له عن المنفلوطي بمجلة الرسالة ( عدد 12 / 7/ 1937م ) أن الإمام المفتي ( أي الشيخ محمد عبده ) قد اصطفاه وجعله تلميذه المختار .
ومن أحسن ما كتب المنفلوطي في هذا المضمار فصلٌ في كتابه النظرات (2/ 65) بعنوان : (دمعة على الإسلام ) يعلق فيه على رسالة جاءته من الهند فيها وصف لبعض ما يفعله المنتسبون للإسلام في تلك الديار ،من تعظيمٍلقبور الأولياء والصالحين ، واستغاثةٍ بأولئك الموتى ، وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريح الكربات . ويعلق المنفلوطي بأسلوبه المؤثر على تلك الرسالة فيقول : ( هذا ما كتبه إليَّ ذلك الكاتب، ويعلم الله أني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عيني، فما أُبصرُ مما حولي شيئاً، حزناً وأسفاً على ما آلت إليه حالة الإسلام بين أقوام أنكروه بعدما عرفوه، ووضعوه بعدما رفعوه، وذهبوا به مذاهب لا يعرفها ، ولا شأن لها بها ) . ويمضي المنفلوطي في إنكار تلك الممارسات وبيان مخالفتها لشريعة الإسلام ، إلى أن يختم مقاله بمخاطبة علماء الأمة وقادتها فيقول : ( يا قادةَ الأمة ورؤساءها، عذَرْنا العامة في إشراكها وفساد عقائدها، وقلنا: إنَّ العامي أقصر نظراً، وأضعف بصيرةً من أن يتصور الألوهية إلا إذا رآها ماثلة في النصب والأضرحة والقبور، فما عذركم أنتم ،وأنتم تتلون كتاب الله، وتقرؤون صفاتِه ونعوتَه، وتفهمون معنى قوله تعالى: ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيبَ إلا الله )، وقوله مخاطباً نبيه : ( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً  ) ... إنَّكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغدوكم ورواحكم:  "وكلُّ خيرٍ في اتباع من سلف ،وكلُّ شرٍّ في ابتداع من خلف" ،فهل تعلمون أنَّ السلف الصالح كانوا يجصصون قبراً، أو يتوسلون بضريح؟ وهل تعلمون أنَّ واحدًا منهم وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو قبر أحد من أصحابه وآل بيته، يسأله قضاء حاجة، أو تفريج همٍّ ؟ ... وهل تعلمون أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل نهى عنها عبثاً ولعباً؟ أم مخافةَ أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟ وأيُّ فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور، ما دام كلٌّ منها يجرُّ إلى الشرك، ويفسد عقيدة التوحيد؟ ....). فهذه السطور تعطينا ولا شك صورة حيةً لفهم المنفلوطي لقضية العقيدة ،ووجوب الرجوع فيها إلى منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم .
وفي موضع آخر يُشبِّه المنفلوطي حالَ المسلمين اليوم - في بُعدهم عن شريعة الله -بحال العرب في جاهليتهم الأولى ، بل يرى أن واقعَنا المعاصر أحوجُ إلى الإصلاح الديني من واقع العرب يومئذ ، وذلك حيث يقول في النظرات ( 3/ 145) : ( ليست الجاهليةُ الأولى بأحوجَ إلى الإصلاح الديني من الجاهلية الأخرى، بل ربما كانت هذه أحوجَ من تلك إليه.كانت الجاهلية الأولى تعبد الأوثان لتُقرِّبَها إلى الله زُلفى، وجاهليتنا تعبد الأحجارَ والأشجار، والأحياءَ والأموات، والأبوابَ والكُوَى، والقواعد والأساطين ...كانت الجاهليةُ الأولى متفرقة قبائلَ وشعوباً، وجاهليتُنا متفرقة منازلَ وبيوتاً، بل آحاداً وأفراداً، فلا تراحُمَ ولا تواصل، ولا تعارفَ ولا تعاطف، حتى بين الأخِ وأخيه، والأبِ وبنيه.كانت جاهليتُهم تسفِكُ الدماء في طِلابِ الأوتار، وجاهليتنا تسفِكُها في سبيل السرقات، وقضاء الشهوات، وكان أفظعَ ما في جرائمهم وأدُ البنات، فصار أخفَّ ما في جرائمنا الانتحارُ .....وليتنا إذ أخذنا جاهليتَهم أخذناها كما هي؛ رذائلَ وفضائلَ، فيهونَ على المصلحين أمرُها، ولكنا أسأنا الاختيار، فلنا خرافاتُهم الدينية، وأَدْوَاؤُهم الاجتماعية، وليس لنا كرَمُهم ووفاؤهم، وغَيْرَتُهم وحَميَّتُهم، وعزتهم ومنعتُهم، فكيف لا يكون الأمر خطيراً، وكيف لا تكون الجاهلية الأخرى أحوجَ إلى دعوةٍ كدعوة النبوة من الجاهلية الأولى) .وعلى هذا النحو يمضي المنفلوطي في دعوته للإصلاح مبيناً أن أحسن طريق لإصلاح المجتمعات هو العودة إلى صحيح الدين ،وأن يكون الدين هو الزاجرَ والمؤدِّبَ، والمعلمَ والمهذِّبَ ، وأن الخطرَ كلَّ الخطر في أن نعتبر الدين تابعاً للعقل ، وإنما الخير كل الخير في أن يكون الدينُ حاكماً ، والعقلُ مفسراً ومبيناً ، فإنه إذا تم لنا ذلك فقد تم لنا كل شيء ، وتم للمسلمين ما يريدونه من الجامعتين الدينية والسياسية بحسب تعبيره رحمه الله .
عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين
12/ 4/ 1441ه- 9/ 12/ 2019م
 

إقرأ ايضا