الشبكة العربية

الثلاثاء 14 يوليه 2020م - 23 ذو القعدة 1441 هـ
الشبكة العربية

المصائر والصدف في حياة كبار المفكرين والكتاب


"رضوان السيد" ، مفكر وباحث لبناني كبير ، وهو واحد من أهم الباحثين والمفكرين العرب في العقود الثلاثة الأخيرة ، لغزارة انتاجه من كتب أو مقالات أو مشاركات في فعاليات ثقافية وفكرية ، كما أنه أحد نجوم أي مؤتمر عربي أو إسلامي يعقد في أي عاصمة عربية ، من المحيط إلى الخليج ، فهو "أستاذ" في الخبرات المتعلقة بالعلاقات العامة ، وهو داهية في قراءة عقول النخب السياسية الحاكمة في كل بلد ، ويعطي كل شخص على قدر "نيته" !! .
عرفته عندما التقينا في عدد من المؤتمرات الفكرية في عواصم عدة ، وهو شخص لطيف المعشر ، وابن نكتة ، وكثيرا ما كان يشاغبني عندما يلقاني ويقترب مني بطريقته المعتادة ـ حيث يقترب كثيرا من الشخص ثم يصعد نظره في وجهه من أسفل كأنه يتفرسه أو يحقق معه ! ـ ويقول لي : جمال أين وصلت في جماعة الإخوان المسلمين ؟! ، وكنت أرد على مشاغبته بالجواب المعتاد : تركتها بعد خروجك منها مباشرة يا دكتور رضوان ، فيبتسم ابتسامته الماكرة ، وهو عادة لا يضحك أبدا إلا نادرا .

ذات يوم دعوته إلى "وليمة" مصرية فخيمة في بيتي ، نالت استحسانه الشديد ، ففاضت قريحته ، ورقت مشاعره مع أجواء الغربة ، وراح يحكي الكثير من ذكرياته اللطيفة مع الدنيا والناس .
ومما قاله لي يومها ، أنه ابن أسرة لبنانية بسيطة متواضعة فقيرة ، وأبوه كان يرعى الأغنام مع أشقائه ، وهذا رزقه ، ولكن "رضوان" عندما ولد كان قد ولد بمشكلة خلقية ، حيث إحدى قدميه أقصر من أخرى قليلا ، وهو ما يفرض عليه بعض العرج في خطواته ، يعوقه عن السير السريع أو الحركة الخفيفة التي تقتضيها مسؤولية رعي الأغنام ، حتى يئس أبوه من أن يستفيد منه مع أشقائه في العمل ، فقال له ذات يوم : أنت "مش نافع" ، ولا تصلح للعمل معنا ولن تفيدنا بشيء ، فاذهب إلى المدرسة لعلك تتعلم شيئا ، باعتبار أن المدرسة تأوى "الفاشلين" الذين لم يفلحوا في سوق العمل !.
يقول رضوان ، أن هذا "العرج" الذي ابتلي به كان السبب الذي فتح له آفاق العلم ، وكان هو الباب الذي فتح له ليجتهد ويقاوم كل الظروف الصعبة لكي يحقق ذاته ، حتى انتهى به المطاف في أرقى الجامعات الألمانية يعرض أطروحته للدكتوراة باللغة الألمانية عن ثورة ابن الأشعث في الحقبة الأموية .
يقول رضوان : ربما لو ولدت سليما ، بدون هذا العرج ، لكنت ما زلت هناك في إحدى الضيعات في لبنان أرعى الغنم مع أولادي وأحفادي .

ومن غرائب ما وقع للكتاب والمفكرين من مصائر ، وآثارها على اختياراتهم الفكرية والإنسانية ، ما حدث مع الكاتب المصري الشهير "أنيس منصور" ، وكان صاحب قلم سيال وسهل وممتع ، وله مؤلفات في مختلف شؤون الحياة ، خاصة في دنيا السفر ، وكان فيلسوفا بالفعل ، كما كان من مدرسة العقاد وتلاميذه ، وله كتابات عن أيامه مع العقاد .
وعلى رغم أن المفكر الفذ عباس محمود العقاد من مدرسة مخاصمة للمرأة إلا أن "أنيس" كان عكسه ، وكان يقدم نفسه كنصير للمرأة ، كما كان يدعو إلى الحداثة ويناصرها ، ويقاوم "التقاليد" البالية ، ونمط المجتمع القديم ، غير أنه كان يقف على الشاطئ الآخر من الحداثة في مسألتين انتشر الحديث عنهما كثيرا بين النخبة والمثقفين ، وأثارا الكثير من الجدل والمعارك الفكرية ، حتى بين قيادات سياسية ومسؤولين كبار في مصر منهم رئيس الجمهورية ، وهما مسألتا : تعدد الزوجات ، وتحديد النسل .
"أنيس منصور" ، الحداثي والمعارض للتقاليد ، فاجأ الجميع برفضه الانسياق وراء موجة إدانة تعدد الزوجات أو الدعوة لتحديد النسل ، وكانت صدمة كبيرة لقرائه ومتابعيه ، لكنه شرح ذلك في مقال غاية في الطرافة والغرابة ، حيث قال أنه ـ بشكل شخصي جدا ـ لا يستطيع أن يكون في معسكر محاربة التعدد لأنه ابن الزوجة الثانية ، فكيف يهين أمه أو يعلن الحرب على موقع كانت هي فيه ، وأما رفضه الانسياق وراء دعوة تحديد النسل فذلك أنه كان الابن التاسع لأبيه بين أشقائه ، فلو كان هناك تحديد للنسل لما كان هو نفسه موجودا !.


ومن غرائب ما يجري للنخب الفكرية ويجعلها في معسكر مناقض لدعواتها الإنسانية ، ما حكاه مصطفى أمين من قصة هدى شعراوي ، إحدى أبرز نشطاء الحركة النسوية في مصر حتى عرفت بمحررة المرأة ، لأنها أول من خلع النقاب ، إلا أن صراعها مع زوجة ابنها محمد شعراوي ، كان يعتبر نقطة سوداء في تاريخ السيدة التي عرفت بأنها نصيرة المرأة وداعية تحرر المرأة وتكريم المرأة والمساواة ونحو ذلك ، فعندما وصلت المسألة إلى بيتها اختلف موقفها تماما ووقفت على الشاطئ الآخر تماما ضد المرأة .

والقصة أن "هدى شعراوي" أقامت حفلا في قصرها لإحدى المناسبات الأسرية ، غنت فيه مطربة شبه معروفة وقتها اسمها "فاطمة سري" ، وكان في الحفل ابنها محمد شعراوي ، الذي أعجب بالمطربة ، وتعلق قلبه بها ، وارتبط بها عاطفيا ، ورغب في الزواج منها إلا أن أمه "هدى شعراوي" رفضت ذلك بشدة ، على اعتبار أنه لا يوجد "تكافؤ" بين الاثنين ، لأن ابنها ابن باشوات ، أما هي فهي مطربة وبالتعبير الشعبي "بيئة" ، لكن الولد رفض الانفصال عن المطربة ، وأقام علاقة عرفية بالفعل أثمرت عن حمل المطربة ، فحاولت "هدى شعراوي" أن تجبرها على إجهاض نفسها ، إلا أن الطبيب حذرها من خطورة ذلك على حياتها ، حتى وضعت ابنتها "ليلى" ، وكتب ابن هدى شعراوي وثيقة إقرار بأبوته للطفلة ، لكن أمه "نصيرة المرأة" رفضت بإصرار الاعتراف بها حفيدة لها أو أن تسجل الطفلة باسم ابنها ، ودارت معركة بين المرأتين في المحاكم ، ولجأت "هدى شعراوي" إلى أساليب لا تليق ، عندما حاولت تلفيق قضية "دعارة" لزوجة ابنها ، التي خافت على نفسها فسافرت إلى أوربا مع
طفلتها خوفا من بطش "هدى" وأسرتها .

وقد عادت بعد سنوات ، لتخوض معركة قضائية جديدة لإثبات نسب ابنتها ، تحدتها "هدى شعراوي" من جديد في المحاكم ، إلا أن المطربة انتصرت في النهاية على نصيرة /عدوة "المرأة" ، وتم تسجيل الطفلة ليلي محمد شعراوي ، لتكون حفيدة ، رغم أنف الجدة ! .



 

إقرأ ايضا