الشبكة العربية

السبت 06 يونيو 2020م - 14 شوال 1441 هـ
الشبكة العربية

الله .. وكورونا

هذا الفيروس ضرب البشرية كلها، لم يفرق بين أصحاب الديانات السماوية الثلاث وبين المؤمنين بالعقائد الأرضية الوضعية، كما لم يميز بين أصحاب المذاهب والملل والنحل المختلفة، فقد ضرب السنة كما الشيعة، واخترق أجساد الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت، واتجه إلى الهندوس والسيخ والبوذيين والوثنيين واللادينيين، ولم يتجنب قومية دون أخرى، ولا عرقاً أو لوناً دون آخر، ويجوب العالم من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، ولا يتجه للمواطنين العاديين وحدهم بل يستهدف الملوك والحكام والمسؤولين أيضاً، ولا يمنعه عن الوصول لهدفه حاجز أو سد أو حصن منيع.
كيف نفهم ذلك؟.
أفهم أنه لا شيء في هذا الكون صغيراً أم كبيراً، نافعاً أم ضاراً، مهما أم قليل الفائدة، عظيماً أم حقيراً، إلا مسيراً بمشيئة الله تعالى خالق الكون ومالكه والمتحكم فيه وحده، (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار).
ولا يمكن أن يكون الفيروس - الذي يُرعب العالم الذي بلغ مكانة كبيرة في التقدم المادي - خلق نفسه بنفسه، أو أنه يتحرك ويعمل من نفسه وبقدرته الذاتية، إنما هو جند من جنود الله، وله هدف ورسالة إلهية للبشر جميعاً، المهم أن ينتبهوا لها ويستوعبوها، ولا يستمرون في غيهم يعمهون.
وما يلفت النظر بإمعان أن الكورونا المستجد يستهدف رئة الإنسان فقط، فهو يتعلق بمنطقة الحلق منتظراً الفرصة للتسلل إلى القصبة الهوائية فالنزول إلى الرئتين والدخول إلى الخلايا والتكاثر فيهما وتدميرهما تدريجياً، وما لم يكن جهاز المناعة في جسد المصاب به قوياً فيهزم الفيروس ويدمره فلن ينجو الإنسان، إذ ليس هناك دواء ناجع حتى الآن لإفساد عمله وقتله.
من الذي برمج هذا الكائن الضئيل ليستهدف عضواً معيناً في جسم الإنسان دون بقية الأعضاء؟، هذا يؤكد القدرة الإلهية في نشأة وعمل وتوجيه هذا الفيروس، وكل فيروس آخر موجه نحو عضو بعينه في جسد الإنسان ولا يخطئه إلى غيره.
ومن يصيبهم الفيروس ومن يتسبب في وفاتهم هو قدر الله تعالى لهم، ومن ينجو منه ليس لكونه أخذ بالأسباب فقط، إنما لأن الله لم يكتب عليه ضرر هذا الكائن، فكل ما في الكون محسوب بدقة متناهية، الأقدار والأعمار.
الكورونا رسالة تستدعي التفكير في كيف أن ميكروباً لا يمكن وصفه لضآلة حجمه يجعل العالم كله في حالة طوارئ مكثفة لمحاربته، ويفشل هذا العالم في النيل منه رغم مرور أشهر على ظهوره وتفشيه، هذا الأمر لايمكن أن يكون عبثاً، أو من فعل الطبيعة، إنما هو فعل إلهي عظيم يحدث منذ بدء التاريخ الإنساني في كل مراحله، وصحيح أنه يحصد الأرواح، لكنه في نفس الوقت يحفز العقل البشري على طريقة التصرف معه ومحاولة التغلب عليه وإنتاج السلاح الذي بواسطته يتم تعطيل قوته، وفي هذا فائدة للبشرية في تراكم العلم والخبرة، وهو هدف تعليمي توجيهي للإنسان.
الله جل جلاله ليس بحاجة لتحدي خلقه من البشر بفيروس كورونا، أو بما سبقه من فيروسات وأوبئة وطاعون، إنه يمنح البشر فرصة أخرى للتفكير في أن استعلائهم في الأرض يمكن أن ينهار في لحظة أمام أضعف مخلوقاته، وأن هذا الإنسان المتجبر المتغطرس سيظل في حالة فزع وارتباك وضعف حتى يصل إلى اللقاح، وهذه النتيجة هى إلهام إلهي أيضاً.
اليوم بلغ الإنسان شأواً كبيراً في التقدم، فقد لامست أقدامه القمر، وسير مراكبه الفضائية للكواكب الأخرى، وطموحه يتجاوز الخيال لبلوغ آفاق الفضاء وأعماق الأرض والبحار والمحيطات ثم فجأة يجد نفسه حائراً أمام هذا الفيروس، وهو ليس جديداً، لكنه فقط تحور فيحير العلماء والأطباء والباحثين، ومعهم رجال الحكم والسياسة والفكر.
غالباً سيصل العقل الإنساني إلى مادة إفساد عمل الكورونا، كما نجح من قبل في سبر أغوار فيروسات وميكروبات وأمراض كثيرة واكتشف العلاجات الناجعة لها، وكان الإنسان في أوقاتها أقل تقدماً ومعرفة مما هو عليه اليوم، فالحياة ستستمر، والإنسان سيظل كائناً قائماً على الأرض يواصل إعمارها كما يواصل تدميرها.
دورة الحياة على الكوكب مستمرة إلى ما شاء الله، والعلم الذي يتوصل إليه الإنسان يتم تحصيله من التجارب والاختبارات والتحديات والاحتياجات، من كورونا وغيره من الأمراض، ومن التفكير والخيال والطموح.
وليس شرطاً أن الأوبئة لا تضرب الجماعات المؤمنة، وتستهدف غير المؤمنة، فالطاعون أصاب المسلمين الأوائل، وكان بينهم الصحابة، ومات بعضهم بسببه، وكانوا أفضل من أجيال اليوم، لكن التقدير هنا أن يعلم الناس مؤمنهم وغير مؤمنهم أنه لا فرار من قدر الله، ويتعلمون الاستفادة من هذه الكوارث، واستلهام دروسها وأخذ المعرفة منها وتقليل الخسائر إذا أصابتهم مجدداً أو أصابت أقوام في أماكن أخرى أو أصابت أقوام في أزمنة تالية، وهذا يُعرف بتراكم العلم والثقافة الإنسانية والمنجزات الحضارية، ولولا ذلك ما كانت البشرية توصلت لأسباب العلاج من أوبئة وأمراض كثيرة منذ قديم الزمان وحتى اليوم. 
الله يُعلم البشر، ويترفق بهم، حتى تستمر حياتهم على الأرض إلى اليوم المعلوم، وعليهم أن يعلموا حقيقة الله ويؤمنون به، متى يعتبر هذا الإنسان الظلوم الجهول ويعود إلى الله.
 

إقرأ ايضا