الشبكة العربية

الأحد 15 ديسمبر 2019م - 18 ربيع الثاني 1441 هـ
الشبكة العربية

الكائنات الزومبي

يعيش بعض الناس أسري لأفكار أو معتقدات ورؤي أشخاص آخرون، أو أسري لأهوائهم وشهواتهم إستعبدتهم الدنيا، وفي مناخ مليء بالضغوط والتوتر وصراعهم وتكالبهم علي الشهرة أو المال تتيبس عقولهم ودائما مشغولون وكأن الحياة بالنسبة لهم ماراثون، فليس لديهم وقت كي يعيشون حياتهم الحقيقية، أجسادهم حية لكن ماتت أرواحهم، ومن ثم يتحولون إلي كائنات تموت بالبطيء "زومبي" تلك التي يشبهها البعض بالجثث المتحركة أو الموتي الأحياء.

يشير مصطلح "زومبي zombie" في الفولكلور الهايتي إلي الشبح ghost، وكذلك تعبر في الكثير من اللغات والأعمال الفنية والثقافات الشعبية عن المخلوق المرعب أو نوع من الوحوش القوية. وقد أضيفت إلي اللغة الإنجليزية في العام في القرن التاسع عشر s1800 عندما ذكرها الشاعر روبرت ساوزي في أحد أعماله "تاريخ البرازيل". هذا وبمرور الوقت تطور مفهوم الكلمة لتشير إلي الشخص الغير مبالي والذي يعيش كالموتي بالرغم من كونه يتحرك لكنه أسير الطب الشعبي. الآن أصبحت كلمة "زومبي" أكثر مرونة في التحول حيث تشير غالباً إلي أي شخص عنده لا مبالاة، يتحرك ببطيء قهري، وغير مهتم بما يحيط به من أشياء وأناس، ومن ثم وكما ذكرت ماريا كوهوت في موقع Medical News Today 31 أكتوبر 2019 أن نماذج شبيهة من الكائنات الحية والبشر منها تعيش حياتها مثل الزومبي، من أمثلتها ما يلي:

أولاً: النمل الزومبي Zombie ants

يقع النمل ضحية الإصابة ببعض أنواع الفطريات الخطيرة ويسمي "أوفيوكورديسيبس Ophiocordycepes" وعندما تهاجم جراثيم الفطر النمل تبدأ في التغذية عليه ولا يتركه إلا بعد أن يموت. أحد أنواع هذا الفطر ويسمي Ophiocordyceps unilateralis lato والذي يصيب بالأخص نمل الخشب Camponotus castaneus في أمريكا الشمالية، حيث يلتصق الفطر بالنمل منذ بداية الإصابة ويجبره علي السيروالتسلق إلي إرتفاعات كبيرة بالأماكن التي تكسوها الخضرة، هذه الاماكن تساعد الفطر علي أن ينمو أفضل وتنتشر كذلك جراثيمه في مساحات كبيرة، في المقابل وبمجرد وصول النمل مجبراً للأعلي يتحول إلي كائنات زومبي تظل ساكنة بلا حراك ولا تفعل شيئاً سوي أنها تنتظر الموت.

ثانياً: العناكب الزومبي Zombie spiders

في 2018  عالم الحيوان فيليب فيرناندز وزملاءه من جامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر بكندا إكتشفوا نوع جديد من الزنابير يسمي "زاتيبوتا واسب Zatypota wasp" يمكنه التعامل مع العناكب من نوع "أنيلوسيمس إكزيميس Anelosimus eximius " التطفل عليه بصورة عجيبة لم يلحظها علماء الحشرات من قبل. هذه النوعية من العناكب معروف عنها أنها حيوانات تفضل المعيشة في تجمعات ومن ثم لا يستطيع أي عنكبوت الإبتعاد عن مستعمرته لمسافة صغيرة، لكن الباحثون إكتشفوا أنها حينما تهاجمها حشرة زنبور " زاتيبوتا واسب" بمجرد أن تضع بيضها في بطن العنكبوت العائل ويعيش من بعدها في سلوكيات غريبة وغير معهودة عليه، حيث أنه يترك مستعمرته والمجموعة لأماكن بعيدة ويبدأ في نسج شرنقة محكمة لنفسه، وبمجرد أن يفقس بيض الزنبور داخل الشرنقة، يسمح العنكبوت لليرقات بالتغذية من جسمه في الوقت نفسه يبدأ الزنبورفي التحكم والسيطرة الكاملة علي العنكبوت ويحوله إلي كائن مصاب بالجمود والشلل أي"زومبي" يتصرف  كالمقهور والمجبر علي خدمة يرقات الزنبور إلي أن تتحول إلي زنبور كامل وناضج.   

ثالثاً: النباتات الزومبي Zombie plants

عام 2014 إكتشف باحثون من مركز John Innes في Norwich بالمملكة المتحدة نوع من البكتريا تسمي "فيتوبلازما Phytoplasma " تصيب بعض النباتات عن طريق الحشرات مثل نبات العصيات الذهبية أو الجولدن رودز يكون أزهار صفراء وأسمه العلمي "سوليداجو ريجيدا Solidago rigida " وبعد الإصابة تحول البكتريا النباتات إلي "زومبي"، حيث وبعد إصابة البكتريا للنبات تجبره صاغراً علي العمل لمصلحتها وتكوين زوائد خضراء تشبه الأوراق بدلاً من الأزهار، تلك الزوائد هي التي تجذب الحشرات بما يسمح للبكتريا أن تنتشر بصورة كبيرة من أجل إصابة نباتات أخري، في الوقت نفسه يتوقف نبات سوليداجو عن الإزهار والتكاثر والإستمرار في الحياة.

رابعاً: البشر الزومبي Human zombies  

في عام 1997 نشرت مجلة "لانسيت The Lancet Trusted Source ورقتين أي بحثان تناولت فيها بالدراسة ثلاثة أنواع من البشر يعيشون في هايتي ويطلقون عليهم "زومبي"، أحد هؤلاء كانت أمرأة توفيت سريعاً بعدما أصيبت  بالمرض وعمرها ثلاثون عاماً، لكنها  في الحقيقة وكما أوضحت الدراسة أن أقاربها وجيرانها إعتبروها ماتت وهي في عمر ثمانية عشرة عاما بعدما أصيبت بمرض الفصام التخشبي catatonic schizophrenia والذي يجعل المصاب لا يدرك حوله ويتصرف كما لو أنه يعيش في غيبوبة. حالة ثانية وهي لإمرأة أيضاً أصيبت بتدمير في خلايا المخ وأعراض الصرع، والحالة الثالثة كانت معاقة وفقدت قدرتها علي التعلم، هؤلاء الأشخاص كان السكان الهايتيين يتعاملون معهم علي أنهم فاقدي الإرادة والذاكرة ومن ثم يتصرفون مثل كائنات القبور الزومبي. حالة أخري تم توثيقها وكانت لرجل عمره 65 عاماً وكان يعتقد ويصدق أن أعضاءه بما فيها المخ قد توقفت عن القيام بوظائفها، ومن ثم أنه يعيش في منزل سوف يسقط بطيئاً علي ويقبره، أي أنه حي يعيش كالأموات. الحالة الأخيرة كانت لإمرأة عمرها 53 عاماً تعتقد وهماً بأن رائحة جسمها مثل اللحم المتعفن ولذا فهي ترجو وتطلب من أقاربها أن يدفنوها كي تذهب لتبقي مع الأموات  أمثالها. هكذا يري الحياة بعض الأشخاص المصابون بالأمراض المزمنة أوالخطيرة مثل السرطان، وبالأخص أولئك الناقمو والغير راضون بقضاء الله وقدره حلوه ومره، يرفض بعضهم حتي العلاج الطبي بالرغم مما أحرزه العلماء من تقدم ونجاح كبير جعلت معدلات الشفاء منه كبيرة، هؤلاء الناس المحبطون يعيشون كالأشباح مثل الزومبي ينتظرون الموت في أي لحظة، وكما لو أنهم ينتحرون بالبطيء.

دكتور رضا محمد طه

كلية العلوم جامعة الفيوم

[email protected]
 
 

إقرأ ايضا