الشبكة العربية

الجمعة 13 ديسمبر 2019م - 16 ربيع الثاني 1441 هـ
الشبكة العربية

الضلال السياسي للنخبة المصرية

ضياع ثورة يناير ، وضياع كل مكتسباتها تقريبا من أرض الواقع في مصر ، لم يكن بسبب تخطيط آخرين ـ من كوادر الدولة العميقة ـ عرفوا ما الذي يريدونه منها ، ووضعوا استراتيجيتهم بنفسها الطويل والتي نجحت في النهاية في تحقيق المطلوب ، وإنما ضياع الثورة بسبب جهالة الثوار أنفسهم ، وضحالة الوعي السياسي للنخبة بكل أطيافها ، وغياب الهدف الجوهري للثورة ، وعدم وضوح المحطة الأساسية لانتصارها الحاسم ، وغياب تراكم الخبرة الاجتماعية التي تتيح التواصل مع جذر المجتمع ، وفي النهاية ضياع استراتيجية الهدف الثوري ، وضياع الاستراتيجية أضاع كل مراحل الوصول إلى الهدف ، وأضاع الثورة نفسها في النهاية .
كانت السمة البارزة في سلوكيات النخبة المصرية في أثناء ثورة يناير ، وخاصة بعد انتصارها السهل نسبيا خلال أقل من شهر في الإطاحة بنظام مبارك ، هو النزق وسرعة الاندفاع في أي إثارة سياسية أو فكرية أو دينية أو حتى فنية ، مع ضعف القدرة على التواصل المباشر وبذل أي جهد لاحتواء القضايا المثارة ، وهو الاندفاع الذي ساهم في اتساع الهوية بين مكونات الثورة من التيارات المختلفة ، وظهور "التخندق" الايديولوجي سريعا ، ثم تحول المعركة من البحث عن مشروع عملي للوصول إلى أهداف الثورة ، إلى حروب أهلية ثقافية وفكرية وسياسية ودينية ، استنزفت الجميع ، وغزاها ـ بحكمة ومهارة ـ المجلس العسكري ، ثم كان الانقسام الكبير في الفترة من منتصف 2012 إلى منتصف 2013 ، وهي التي جاء فيها على رأس السلطة في مصر الدكتور محمد مرسي رئيسا مدنيا للجمهورية ، لأول مرة منذ تأسيس الجمهورية في مصر ، وهو الانقسام الذي أضاع كل شيء ، وخسر الجميع معه ، ونزف الجميع بعده .
وحتى الآن ، ورغم ظهور كل هذا الإرث الكئيب للانقسام والاندفاعات العاطفية ، وسرعة الاستجابة للإثارة الفكرية والسياسية والدينية ، وغياب القدرة على التواصل ، وغياب فكرة القواسم المشتركة في العمل السياسي التي تحترم الخلاف وتحصره في نطاق لا يؤثر على المسار الوطني الأهم ، إلا أن أحدا لم يتعلم شيئا من التجربة السابقة ، وهو ما يعني أن مسارات الفشل مستمرة ولا أمل في أي إصلاح أو إنقاذ للثورة والوطن إذا ظلت الأمور على هذا النحو ، بغض النظر عمن يحكم في مصر .
يمكنك الآن ـ بسهولة ـ أن تطرح أي قضية ، خاصة في المجال الفكري أو الديني ، وستجد "الغرائز" هي التي تحرك النخبة المصرية من كل التيارات في التفاعل معها ، لا أحد يفكر في أولوية القضية ، ولا أحد يبحث في تداعياتها الممكنة في الواقع ، ولا أحد يضع نفسه موضع المسئولية ثم يفكر في الموقف الأكثر ملاءمة للمجتمع والدولة والناس ، ولا أحد حتى يفكر في إدارة حوار عقلاني هادئ ومسئول بين المختلفين ، أبدا ، المهم أن ينتصر "الفارس المغوار" لأفكاره الأيديولوجية التي يتبناها ، أو المفاهيم الثقافية والأخلاقية التي يستريح لها أو يميل إليها ، أيا كانت العواقب ، فهو لا يتصرف كسياسي ومسئول ومشروع بديل لقيادة الأمة ، وإنما يتصرف كهامش سياسي وإنساني متخندق ومتحصن في حيز من الأرض والفكر يدافع عنه ويقاتل دونه ولا يعبأ بالواقع ولا المجتمع ولا الدولة ولا التاريخ ولا الجغرافيا .
خذ عندك مثلا ، قضية الميراث التي طرحت مؤخرا ، والتي فتحتها الحكومة التونسية للتغطية على فسادها وعجزها عن إدارة موارد الدولة وفشل مشروعها التنموي في خلق فرص عمل ، وقلقها في مواجهة غضب الشارع والناس الباحثين عن وعود لم تتحقق في العمل والرواتب والتأمين وغيره ، الآن أصبحت المشكلة في أن الميراث لم يوزع بالتساوي بين الولد والبنت ، ثم أراد قطاع من النخبة المصرية نقل المعركة العبثية ، بما أنها "ستبيع" إعلاميا ، إلى مصر ، وانتفخت أوداج وعروق ، وعلت أصوات ، وتشنجت حناجر ، انتزعت المنابر الدينية والثقافية والاقتصادية ، وحولتها لمعركة عززت الانقسام في المجتمع ، وأثارت المزيد من الخوف والقلق لدى عموم الناس تجاه تلك النخبة ونواياها تجاه قيم المجتمع والدين ، والمعركة فاشلة في النهاية فكريا ودينيا ، ويستحيل أن تحقق النخبة فيها أي نصر ، ولكن الأهم هنا هو أنها استنزفت الجهد وعمقت مشاعر الخوف لدى ملايين المصريين تجاه تلك النخبة ، فازدادت عزلتها وأصبح من العسير أن تدعوا الناس لفكرة أو حراك فيستمعون إليك ، أو أن تلجأ إليهم في أي انتخابات حرة مقبلة لتطلب أصواتهم على أمل صناعة بديل سياسي قوي .
وتلاحظ ـ بقليل من المتابعة ـ أن الصحف القومية والمنابر الإعلامية المحسوبة على الأجهزة من أكثر الجهات احتفالا بالمعركة الجديدة ، وإيقاد نارها ، وتوسيع مداها ، لأنها ـ باختصار ـ تزيد النخبة عزلة عن المجتمع ، كما تساهم في إلهاء الناس عن مشاكلهم الحقيقية ومعاناتهم الاقتصادية والسياسية والخدمية كافة .
خد مثلا عندما طرحت قضية الحجاب والنقاب ، وهل هو من الدين أم ليس من الدين ، وكم أريق فيها من مداد ، وكم خاض فيها من النخب وكم صرخت من حناجر ، وجدل عقيم ، وانقسامات وحروب فكرية ودينية طاحنة ، لم تفض إلى شيء في النهاية ، سوى المزيد من تضليل المجتمع عن أشواقه الحقيقية للحرية والعدالة ، للخبز والكرامة والحرية ، كما استنزفت من النخبة سمعتها وقبولها في المجتمع ، ليعودوا مجرد هامش صغير لا يملك أي نفوذ وجداني لدى الشعب ، بل زادت هواجس الناس من توجهاتهم ، وبدون شك ، تستثمر أكثر من جهة رسمية هذا "الضلال" النخبوي ، لمزيد من التهميش والانقسام المجتمع وتغييب وعي الناس عن حقيقة أزمتهم ، بل ربما تلجأ السلطة في بعض الأحوال للانحياز للناس لتظهر كأمين على قيمهم الروحية والدينية ، وأنها الجهة المسئولة والمأمونة أمام نخبة نزقة متهورة لا تحترم الدين والأخلاق ، وأحيانا أخرى تنحاز للنخبة ـ بدرجة محسوبة ـ لتقدم نفسها كسلطة مستنيرة تنحاز لحرية الرأي والتعبير وقيم الحداثة ، فحيثما ضربت السلطة هنا ستكون رابحة .
وخذ عندما ما أثير عن قضية الشذوذ الجنسي ، أو "المثلية" كما يحب البعض أن يدير معاركها ، وكم خاض فيها من نخبة يناير ، وإن كانت بدرجة أقل ، ولك أن تتصور نخبة تتقدم لمجتمع يتجذر فيه الدين والأخلاق ليكون مشروعها الدفاع عن الشذوذ الجنسي ، وزواج الرجل من رجل ، ولك أن تتخيل توابع هذا "الضلال السياسي" على نظرة المجتمع تجاه تلك النخبة ونواياهم إن هم حازوا سلطة ، أي سلطة .
يمكن للسلطة أو أي جهاز محترف فيه اليوم ، أن يصطنع أي قضية من تلك القضايا ، ويطرحها ـ بذكاء ـ للحوار الإعلامي ، وستجد النخبة المصرية تندفع فيها بكل حماس ، وتغرق فيها حتى الهلاك ، بينما من صنع الموجهة و"الاشتغالة" ربما يضحك من سذاجتهم وطفوليتهم السياسية .
بطبيعة الحال ، هناك قطاع من النخبة يجتهد لتسويق نفسه خارجيا ، وبعض تلك القضايا ـ بدون شك ـ تجد قبولا دوليا ، لأنها ربما تتماشى مع ثقافة المجتمع هناك ، وربما تم النظر إليها باعتبارها نضالا من أجل التحرر ونقل قيم الحداثة الغربية إلى العالم الثالث المتخلف والظلامي !، وهذا الصنف من "المتاجرين" بالاستنارة لتسويق أنفسهم خارجيا ، سياسيا أو حقوقيا أو أدبيا أو فنيا ، هم الأسوأ بدون شك ، لأنهم يجمعون مع الضلال السياسي بيع أشواق الوطن والناس للحرية والعدالة وتشتيت طاقة المجتمع للغضب والثورة ، من أجل مصالحهم الشخصية البحتة .

 

https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1


 
 

إقرأ ايضا