الشبكة العربية

الإثنين 17 يونيو 2019م - 14 شوال 1440 هـ
الشبكة العربية

السيسي والدستور .. كلام لا تنقصه الصراحة !


دشنت القوى الموالية للرئيس عبد الفتاح السيسي حملة التمهيد لتعديل الدستور المصري ، دستور 2014 ، رغم أنه لم يمض عليه أكثر من أربع سنوات ونيف ، وبدأ القصف التمهيدي من خلال أعضاء بالبرلمان ، ومن خلال كتاب وصحفيين مقربين من مؤسسة الرئاسة ومن أجهزة سيادية أخرى ، والكلام يعتمد على أن الدستور تم إعداده في مرحلة انتقالية كانت لها خصوصيتها بعد ثورة يناير وبعد إنهاء حكم الإخوان ، وأنها قد انتهت الآن ، وأن الدستور الحالي يقلص من صلاحيات رئيس الجمهورية بما يضعف قدرته على اتخاذ القرار ، وأن الدستور ليس نصا مقدسا وكل الشعوب تعدل في دساتيرها ، وهناك من تحدث عن أن هناك دولا بلا دستور أصلا ، مثل بريطانيا و"إسرائيل" ، بما يشير إلى قدر من الاستهانة الشديدة بنصوص الدستور وأنه يمكن أن تعمل مصر بلا دستور من حيث الأساس .
بطبيعة الحال كل ذلك قنابل دخان ، للتعمية على المستهدف الرئيسي من عملية التعديل الدستوري ، فالمسألة بوضوح شديد ، وبلا لف أو دوران ، تتعلق بمنصب رئيس الجمهورية ، حيث أن الدستور الحالي يحدد مدة ولايته بأربع سنوات ، وعدد المدد بمدتين رئاسيتين فقط لا غير ، ونظرا لأن المصريين "لسعوا" من رؤساء سابقين ، كانوا يحتالون على تعديل النصوص المشابهة التي تحصر مدد الولاية لكي يبقوا في الكرسي مدى الحياة ، فقد أضافوا مادة في دستور 2014 تحظر أي تعديل في تلك المواد التي تتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية تحديدا ، لضمان عدم التلاعب بها ، ولضمان حماية البلاد وأمنها واستقرارها وسلامتها ، بتأسيس مرحلة التداول السلمي للسلطة ، خاصة وأن هذه المادة هي سبب معظم تعديلات الدساتير المصرية السابقة وسبب معظم الاضطرابات والاغتيالات والثورات .
السيسي كان قد كشف عن رأيه ورؤيته ومشاعره تجاه الدستور منذ وقت مبكر ، عندما قال أن هذا الدستور كتب "بنوايا طيبة" في إشارة سلبية لاستقامة مواده وصلاحيتها للواقع الجديد ، وبما يعني ضمنا أنه يفكر في تعديلها ، لكنه كان قد صرح لاحقا للإعلام الدولي بأنه ملتزم باحترام الدستور ولن يعمل على تعديله ولن يغير المواد المتعلقة بمدة الرئاسة ، لكن المؤكد أن القصف التمهيدي للتعديل الدستوري لن يجرؤ اصحابه على التحرك إلا بإشارات من مؤسسة الرئاسة تحديدا .
نحن اليوم في بدايات النصف الثاني من السنة الأولى من الفترة الرئاسية الثانية والأخيرة ، أي أن هناك حوالي ثلاث سنوات ونصف في مدة ولاية الرئيس عبد الفتاح السيسي ، فما الداعي للتفكير في تغيير الدستور في هذا الوقت المبكر ، ولماذا لا ينتظر حتى السنة الأخيرة من ولايته فيبدأ عملية التعديل ، كما أن مسألة الالتزام بالدستور غير جدية حتى الآن من الناحية العملية ، والصلاحيات التي يملكها الرئيس في الواقع صلاحيات مطلقة وشاملة وأسطورية ، يأمر وينهى في جميع قطاعات الدولة السياسية والعسكرية والأمنية والقضائية والرقابية والاقتصادية ، فالبلد بكاملها الآن رهن إشارته ، فما الذي ينقصه لكي يفكر في التعديل وتعزيز صلاحياته الدستورية الآن ؟ .
الحقيقة أن الأمر متصل بضعف الثقة في ثبات الوضع السياسي ، وغياب اليقين بالمستقبل ، لذلك كان التفكير في إنجاز التعديلات الدستور الآن وليس غدا ، لأن "غدا" ربما لا تكون الأمور بذلك اليسر ولا تلك السهولة ، وربما كانت معادلات القوى على الأرض بعد ذلك تمنع فيكون أمام الأمر الواقع ، وهذا هو السبب نفسه أيضا لمسألة "دسترة" صلاحيات مطلقة للرئيس بتعديلات دستورية جديدة ، لأنه إذا كانت موازين القوى في مصر الآن غير متكافئة ، ولا أحد يملك إجبار الرئيس على الالتزام بالدستور كاملا ، فإنه قد يأتي يوم تتقلب فيه الظروف الإقليمية والدولية والمحلية ، وتنشأ مرحلة تكافؤ قوى جديدة تجبره على احترام الدستور ، لذلك كان التفكير في تحويل واقع السيطرة المطلقة العملي إلى نصوص دستورية .
مسألة تعديل الدستور مسألة حياة أو موت بالنسبة لرئيس الجمهورية الحالي ، وأيا كانت العواقب محليا أو إقليميا فهو سيغير الدستور ، وذلك أن مصر تعيش فراغا سياسيا وقانونيا خطيرا يتعلق بحسابات المرحلة السابقة ، وتحديدا منذ يناير 2011 وحتى اليوم ، وربما إلى العام أو العامين المقبلين ، فهناك ميراث من الدم والمرارة والمظالم ، وهناك اتهامات مرسلة ، وهناك تراشق بالوعيد والتهديد ، وهناك أحاديث عن "ثأر" سياسي وقضائي قادم ، وهناك حديث عن صراع الوجود بين الثورة والثورة المضادة ، وكل هذا كلام مخيف للغاية ، ومقلق جدا لأي شخص يجلس في تلك اللحظة على كرسي الرئاسة ، سواء كان السيسي أو غيره .
المسألة ببساطة ، أنه لا يوجد أي ضمان لمنع محاكمة الرئيس سياسيا وجنائيا بعد تخليه عن السلطة وتولي قيادة جديدة للمسئولية ، بل كل المؤشرات تشير إلى عكس ذلك ، ولا توجد أي أفكار حالية جادة وواقعية تطرح مسألة "تسوية" بشكل ما ، مشابهة لما جرى في أمريكا اللاتينية ، وهي التسويات التي جرت مع القيادات السابقة ، العسكرية والسياسية ، وسمحت بانتقال البلاد إلى الديمقراطية بعد عقود طويلة من الحكم العسكري الصريح والمستتر ، فما هي الضمانات التي يمكن أن يحصل عليها السيسي أو أي من شركاء تلك المرحلة عندما يسلمون السلطة طواعية إلى رئيس جديد وفق انتخابات حرة وشفافة ؟
السؤال بوجه آخر ، ما الذي يجبر السيسي أو غيره على أن يتخلى عن السلطة إذا كان يدرك أنه في اليوم الثاني سيكون معرضا لهوان كبير ومحاكمات واتهامات وربما سجون وما هو أسوأ ، ما الذي يغريه بالنزول طواعية إذن ؟ ، إن منطق الأمور في تلك المعادلات النفسية والسياسية ، أن الحل الأقرب والأضمن والأقل تكلفة ، هو البقاء في السلطة إلى الأبد ، أيا كانت العواقب ، لأنها ستكون أقل من عواقب تخليه طواعية عن كرسي الرئاسة ، خاصة وأنه يمتلك أدوات القوة العسكرية والأمنية والسيطرة في الواقع ، ولما كان الدستور الحالي سيجبره على النزول ، وهو قادر على تعديله ، ولا توجد توازنات قوى حقيقية في الواقع المحلي تمنعه من ذلك ، فإن البديهي أنه يعدل الدستور ، لأنها مسألة حياة أو موت بالنسبة له كما قدمت ، وقد لاحظت في ما كتبه الزميل ياسر رزق ـ المقرب للسيسي ـ أن هناك سيناريو بديلا إذا قبل السيسي التخلي عن كرسي الرئاسة في 2022 ، وهو أن ينص على تشكيل مجلس رئاسي لحماية الدولة ، يتشكل من رئيس الجمهورية الجديد والرئيس السابق ورئيس الوزراء وبعض القادة ، على أن تكون رئاسة المجلس للسيسي ، أي أنه يكون رئيسا للرؤساء ، وهذا ما يؤكد على أن المعضلة الأساسية الآن هي "ضمانات" ما بعد تخليه عن السلطة .
مصر بحاجة إلى رؤية سياسية شاملة للمرحلة المقبلة ، أكثر واقعية ، وأكثر قدرة على صناعة بدائل ، وأكثر قدرة على توظيف خبرات الشعوب والدول المماثلة ، إذا كنا جادين فعلا في البحث عن مخرج وعن تأسيس عملي وحقيقي للديمقراطية ، وليس مجرد تسجيل مواقف وإبراء الذمة .
طال الوقت أو قصر ، مصر ستكون أمام حتمية التأسيس السلمي لعملية تداول السلطة بشكل دستوري آمن ودوري وقصير المدى ، لمنع تحوصل الدكتاتورية من جديد ، وللحيلولة دون صناعة الفرعون من جديد ، فهذا هو السبيل الوحيد أمام إنقاذ الوطن من دوامات الفوضى ودورات الانهيار والتراجع والتخبط المستمرة منذ تأسيس جمهورية "الضباط" في يوليو 1952 ، ومصر ولادة وخصبة إنسانيا وعلميا وثقافيا وفكريا وسياسيا ، وهناك المئات بل الآلاف من أبنائها من يملكون قدرات القيادة الخلاقة والمبدعة ، فقط يحتاجون إلى منظومة آمنة وثابتة دستوريا ، لكي ينهضوا بالبلاد في مختلف الأصعدة .
مصر بحاجة إلى أفكار ، وإلى أطروحات سياسية واقعية أكثر جرأة ، وإلى تهميش سوق المزايدات وأصحابه ، وإلى خروج الجميع من خنادق "الايديولوجيا" ـ التي مزقتنا وأضاعت منا ثورة يناير بعد أن كانت بأيدينا ـ إلى رحابة قاعدة المصالح الوطنية ، وقاعدة إجماع ترضي كل التيارات والقوى الوطنية ، بتنازلات عادلة من الجميع ، للالتقاء عند أرضية ثابتة ، تسمح باجتماع الطاقات وتوجيهها إلى مستقبل أرشد ، أكثر عدلا وحرية ، وأكثر ثباتا وأقل تعرضا للمهاترات والمفاجآت والتقلبات .
 

إقرأ ايضا