الشبكة العربية

الإثنين 27 يناير 2020م - 02 جمادى الثانية 1441 هـ
الشبكة العربية

السياسة فن العدّ والحسابْ

تعددت التعريفات لمفهوم أو معنى "السياسة" ما بين أنها: فن الممكن.. أقصى الممكن؛ أو أنها: العلم الذي يدرس "القوة" سواء في إطارها الرسمي فتكون على شكل سلطة، أو في إطارها غير الرسمي فتكون على شكل نفوذ، أو أنها –أي السياسة- العلم الذي يدرس الدولة.
إنما راق لي تعريف أحد الساسة لها باعتبارها: "فن العدّ والحساب".
وربما صادف هذا التعريف المعنى الحقيقي للسياسة، فجوهر السياسة هو: القدرة على إجراء عمليات معقدة ومستمرة من العدّ والحساب والقياس وإدراك الأوزان والأحجام والمعرفة الدقيقة لعلم وفن "المساحات" سواء المشغولة أو الشاغرة؛ وحدود الحركة وسقفها وتوقيتاتها ومناسباتها وشبكات العلاقات والمصالح المحيطة بها.
فعدد وقوة الأنصار والمشايعين والأتباع والموالين والحلفاء الحاليين والمحتملين، وعدد وقوة الخصوم والأعداء الحاليين والمحتملين، ودور ووزن هؤلاء وأولئك في الميدان السياسي هو جوهر السياسة.
فحساب موازين القوة الحالية والمتوقعة هو جوهر السياسة.
بل إنه حتى التعريف الشائع للسياسة بأنها: "فن الممكن" هو في أحد دلالاته تعبير عن: احترام الواقع السياسي المتعين على الأرض. وأن للتغيير سقوفا لا يتعداها، ومساحات حركة لا يتجاوزها، وهو كذلك في حقيقته تقدير لموازين القوى بناء على حسابات القوة والمصلحة لكل طرف وحدود حركته وإمكاناته في إحداث التغيير.
إذ أن: أوضاع وموازين القوة هي نفسها تعكس مكونات ومظاهر القوة على العلاقات بين القوى السياسية والتيارات الفكرية والأفراد والشرائح والفئات الاجتماعية.
ومن ثم: 
فمن لا يحسن العدّ والحسابْ ولا الوزن ولا التقدير ولا الأشباه والنظائر ولا الفروق ولا الموافقات لا يصلح للعمل السياسي ولا للصراعات السياسية.
ومن لا يحسن بناء التحالفات والكتل، ولا يدرك كنه التحسبْ للمستقبل والإعداد له حيث جوهر السياسة – ومن ثم العمل السياسي- هو الإعداد للمستقبل، وبناء السيناريوهات المتوقعة، والخطط البديلة. 
ومن ثم:
فالسياسي الذي ليس لديه خطط أو خطة بديلة لا يصلح للعمل السياسي ولا لصراعات السياسة ولا لدهاليزها ومغاليقها.
والسياسة في الدولة المعاصرة هي عملية معقدة من العدّ والحسابْ والوزن الدقيق ومعرفة المقادير والأوزان النسبية للحلفاء والخصوم ودراسة توجهات المستقبل ومآلاته واتجاهات الريح وشدتها أو ضعفها، وقياس الغائب على الشاهد حتى كأنه يشغل حيز الحضور أو الشهود، وبناء نماذج المحاكاة وسيناريوهات المستقبل.
والسياسي الذي لا يعرف وزن الأغلبية الصامتة -أو ما يسمونه تحقيرا ولمزا حزب الكنبة- ومواقفها وعن ماذا تعبر عملية صمتها وإلى متى تظل صامتة لا يدرك جوهر السياسة. 
فحكمة الناس وخبرتها الطويلة في مقارعة المستبدين هي التي أملت عليها اختيار الصمت متى كانت خسائر التحرك أفدح، واحتمالات نجاحه ضعيفة وليس سلبيتها ولا عبوديتها للمستبد ولا خنوعها كما يرى كثير من الواهمين أو أصحاب النظرات الاحتقارية للجماهير وما يسمونه استخفافا عامة الناس أو العوام.
وهؤلاء الناس هم الذين يمثلون "الحاضنة الشعبية" لأي حركة تغيير اجتماعي والتي بدونها لا يصبح لأي عمل سياسي معنى أو هدف، بل ويصبح منبتا الصلة عن محيطه الاجتماعي، لا يعبر عنه ولا يمثله ولا يشكل له امتدادا عضويا.
ومن ثم:
فالسياسي الذي ينظر للناس –الذين لا يوافقونه اختياراته وتقديراته للأمور- نظرات احتقارية لا يصلح للسياسة ولا للعمل السياسي ولا يدرك جوهر السياسة بحسبانها عمل إصلاحي أو كما قيل في أحد تعريفاتها هي" القيام على الشيء بما يصلحه.
السياسة هي فن العدّ والحساب، ومن العدّ والحسابْ أن يدرك السياسي وزن الكتلة الحرجة التي تسمح بإحداث التغيير وهي نسبة – كما تحدد كثير من الدراسات- لا تتجاوز الـ 5% من الشعب، وهي تلك النسبة التي تمثل "دومينو" التثوير أو "الحراك المتسلسل" الذي يمثل مختلف توجهات الشعب وطوائفه ورموزه وقادة الرأي فيه ويعبر عن مطالبه واحتجاجه ورفضه للاستبداد والظلم.
ذلك أن أي تغيير اجتماعي –حتى يتم- لابد له من كتلة إنسانية حرجة سواء نوعيا أم كميا·
والسياسي الذي لا يدرك كيفية عدّ وحساب مستويات الكتلة الإنسانية الحرجة (النوعية والكمية) اللازمة لإحداث التغيير أو الإصلاح المنشود لا يصلح للعمل السياسي ولا للدور الاجتماعي الذي يشكل القاعدة الصلبة التي تقوم عليها كل الأدوار السياسية.
السياسة باختصار هي: 
فن عدّ وحساب؛ وتقدير موقف؛ ورفع واقع؛ وامتلاك رؤية، وبناء قواعد اجتماعية وسياسية صلبة؛ ووضع خطط استراتيجية؛ ورسم سيناريوهات مستقبلية؛ وإعداد خطة بديلة؛ وتشييد شبكة علاقات قوية تحكمها فلسفة المشتركات وسياسات الحد الأدنى؛ وتمتين تحالفات عميقة تجمعها شبكات مصالح مشتركة وقوية إذ السياسة هي علم إدارة المصالح. 
ومن لا يحسن هذا كله فليترك السياسة وكل مشتقاتها من ساس ويسوس. 

 

إقرأ ايضا