الشبكة العربية

الأربعاء 21 نوفمبر 2018م - 13 ربيع الأول 1440 هـ
الشبكة العربية

السعودية والفاتيكان والزعامة

هل تملك السعودية مقومات الزعامة ثم فرطت فيها بسهولة بارتكاب خطيئة قتل صحفي مسالم داخل بيتها؟..  والبيت هنا تعبير مجازي عن قنصليتها في اسطنبول التي شهدت مقتل الكاتب البارز جمال خاشقجي باعتراف الرياض.
أحدهم من البلد الشقيق كتب لي يوما يلومني على تدخلي في الشأن السعودي وطلب مني الاهتمام بالشأن المصري ففيه ما يستحق توجيه النقد له.
رددت عليه بأننا لا نقصر في ذلك. النقد أهم أبجديات الكتابة الصحفية، ليس القصد منه التعرية أو التشويه وإنما تسليط الضوء على النواقص المعيبة ولفت النظر إلى ضرورة علاجها كما كان خاشقجي يفعل في كتاباته التي تقطر حبا وتفيض عشقا للسعودية.
أما السعودية بالنسبة لنا فهي كالفاتيكان بالنسبة للكاثوليك. فيها ولد الإسلام وعلى جزء مقدس من أرضها نزلت رسالته على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فيها الحرمان الشريفان، وإليها نتوجه بصلاتنا حيث المسجد الحرام الذي يحج إليه ويعتمر ملايين المسلمين من أنحاء العالم.
إنها الزعامة الروحية التي تتبوأها السعودية، وهبها لها الخالق، وأدرك ذلك حكامها عبر التاريخ واختلاف المسميات التي آلت إلى اسمها الأخير بعد توحيدها على يد الملك عبدالعزيز آل سعود.
لقب خادم الحرمين الشريفين الذي يطلق على ملك السعودية يعكس هذه الزعامة، والتي يقسم خريجو الكليات العسكرية في باكستان على الدفاع عنها كشرف للجندية والجيش عندهم.
كأني لمست تقليلا من هذه الزعامة في مقال عبدالرحمن الراشد بجريدة الشرق الأوسط السعودية، ربما في محاولة للإيحاء بأن جريمة قتل خاشقجي داخل القنصلية لم تؤثر على مكانة بلاده ولم تنزل بها من السلم الذي ترتقيه.
يقول الراشد في مقاله "السعودية وتركيا والزعامة":  أما زعامة المسلمين في العالم فهي عبارة مجازية، روحانياً السعودية هي القائدة لأن فيها الأماكن المقدسة يصلي باتجاهها مليار مسلم خمس مرات في اليوم ويحجون إليها". ويضيف في موضع آخر "لا تعدو المراهنات على زعامة المنطقة كونها تخرصات صحفية أو طموحات جاهلة ".
الفاتيكان لا تملك مقومات الدولة الحقيقية، تقع وسط العاصمة الإيطالية روما التي تحيط بها من جميع الاتجاهات، مساحتها 0.44 كم وسكانها 940 نسمة، لكنها الزعيمة الروحية للكاثوليك في العالم، يدين لها بتلك الزعامة 1.147 مليار نسمة، وتدافع عن قضايا العالم السلمية والأخلاقية. 
لا أحد يمكنه التشكيك في زعامة الفاتيكان رغم صغر مساحتها وعدد سكانها وعدم وجود جيش لها، ما عدا الحرس البابوي السويسري، وهو حرس خاص بالبابا يحرس بوابات المدينة. ما يعطيها الزعامة التبعية الضخمة من سكان العالم الكاثوليك، وكونها مركزا روحيا للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ومقر البابا.
عندما نتكلم عن الزعامة الروحية للسعودية فهي لا تقل في أثرها وتأثيرها عن الفاتيكان. عدد الأتباع مليار مسلم يشكلون تقريبا العدد نفسه الموالي لدولة الفاتيكان. إذا حدث حادث معيب في الأخيرة فلابد أنه سيؤثر على تلك المكانة لأنها مكانة عاطفية تلقائية، والشيء نفسه ينطبق على السعودية.
يجب أن يكون هناك حرص زائد على المكانة وأن تكون السلوكيات والسياسة العامة عارفة بذلك. هذا قدر الله لا يجب معه مساواة وضع السعودية بوضع أي دولة أخرى أو إدخالها في مقارنات. مثلا قدرها أن تكون دولة محافظة إلى أقصى حد، وأن يكون الشغل الشاغل تأمين الحرمين الشريفين والإشراف على الحج والعمرة وضمان سلامة الحجاج والمعتمرين وتوفير كل سبل الراحة والأمان لهم. وأن تكون على علاقات ودية مع العالم الإسلامي كله.
مكانة السعودية يجب أن تنوء بها بعيدا عن الهرولة الخليجية المتزايدة نحو إسرائيل. هناك عداء إسلامي تاريخي لا ينتهي مع كيان يحتل مقدساتنا ويحاول هدم المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، ويتخذ من قدسنا الشريف عاصمة له. إذا لم تتخذ السعودية موقفا صارما وشديد الخصومة من ذلك فمن يُنتظر منه أن يفعل؟!
علينا أن نعترف بأن الزعامة الروحية للسعودية تلقت صدمات مروعة في السنوات الأخيرة بفعل سياسات وسلوكيات لا تنسجم معها، بداية من قرارات وتوجهات لا تناسب كونها دولة محافظة، إلى الدخول في حرب اليمن دون وضع سقف يحفظ أمنه ووجوده وسلامة سكانه، إلى التقارب السري والعني مع إسرائيل والاستجابة لضغوط ترامب نحو تمرير ما يسمى بصفقة القرن التي تنزع القدس من حاضنتها الإسلامية، وأخيرا قتل جمال خاشقجي داخل القنصلية.
التصحيح لا يزال ممكنا دون تأخير، فأضرار خسارة السعودية لزعامتها الروحية لن تقتصر عليها فحسب. هناك مليار مسلم سيتضررون من ذلك، وقبلهم الدين الذي يدينون به والذي سيتعرض لفتنة كبرى ندعو الله ألا تحدث.
[email protected] 
 

إقرأ ايضا