الشبكة العربية

الأربعاء 21 نوفمبر 2018م - 13 ربيع الأول 1440 هـ
الشبكة العربية

الذين يجمعون كناسة الفكر الإسلامي !

* إن الأمة اليوم تعيش أحلك فتراتها سوادا وأكثرها ترديا ورجعية . تعيش الأمة حالة الضياع بين كيد الأعداء وجهل الأبناء والكل يأكل من لحم الأمة الحى ويشرب دماءها وكأنه ماء عذبا فراتا ويسحب من رصيدها الحضاري حتى وقفت الأمة عارية كالشجرة الحمقاء الجرداء التى ذبلت أوراقها وانكسرت فروعها وزلزلت الأرض من تحت جذعها . تجردت الأمة من كل مايسترها كشجرة عصفت بها الريح فى يوم عاصف. سرقت ثرواتها , وتاه شبابها , واغتصبت حدودها , ونهبت خيراتها ومددت عنقها طواعية ليسحبها رعاة البقر إلى الوجهة التى يريدونها , وانحنت وركعت أمام أراذل الأمم تتسول كالأرامل والثكالى واليتامى على رصيف الحضارة وتمد يدها لأراذل الأمم أعطوها أم منعوها . ضربت الأمة فى مقتل وفى سويداء قلبها ليس من أعدائها فقط ولكن من أبنائها  الذين تبنوا نظرية التدين المغشوش الناقص , حيث قدموا الجزيئات على الكليات , والفروع على الأصول , والمهم على الأهم , والشكل والصورة على الجوهر والمضمون . إنها محنة كئيبة سوداء لم يمر بها المسلمون الأوائل فى عصر الجاهلية الأولى . صار لدينا مشايخ الفضائيات , ودعاة القنوات , يحلون ما حرم الله , ويحرمون ما أحل الله . الدين بالنسبة لهم ليس عقيدة ولا رسالة تنوير للمجتمع , بقدر ماهو مصدر للاسترزاق , فهم ليسوا أكثر من أبواق , لا يملكون على المنابر غير الحناجر , مجرد ظاهرة صوتية فارغة كالطبل الأجوف . بضاعتهم رديئة , وثقافتهم دنيئة ,وخطبهم فى كل ما يرضى الله برئية من أى موقف جاد لنصرة الحق ودحض الباطل . أليس ذلك تدينا مغشوشا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء  حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ؟

* يقول العلامة الفيلسوف الشيخ محمد الغزالي رحمه الله فى كتابه " هموم داعية " : " نظرت بعيدا عن دار الإسلام وراقبت زحام الفلسفات والملل التى تتنافس على امتلاك زمام العالم.. فوجدت الإعلاميين أو الدعاة يختارون من أوسع الناس فكرا  وأرقهم خلقا  وأكثرهم حيلة فى ملاقاة الخصوم وتلقف الشبهات العارضة . فلما رجعت ببصري إلى ميدان الدعوة فى أرض الإسلام غاص قلبى من الكآبة..! كأنما يختار دعاة الإسلام وفق مواصفات تعكر صفو الإسلام وتطيح  بحاضره ومستقبله  . وما أنكر أن هناك رجالا فى معادنهم نفاسة , وفى مسالكهم عقل ونبل , بيد أن ندرتهم  لاتحل أزمة الدعاة التى تشتد يوما بعد يوم . والغريب أن الجهود مبذولة لمطاردة الدعاة الصادقين من العلماء الاصلاء , والفقهاء الحكماء للقضاء عليهم , وترك المجال للبوم والغربان من الأميين والجهلة يتصدون للدعوة ويتحدثون باسم  الإسلام ." فى هذا الشرح الموجز يشخص الشيخ الغزالي الداء فى جسد الأمة كالطبيب الماهر الحاذق الذى يشعر بالمريض ويصف له الدواء قبل أن يقدم للطبيب شكواه . فالحال يغنى عن الكلام . إنها الرؤية العميقة والبصيرة النافذة والقلب النابض الحى الذى يشعر بالآم الأمة .

* ثم إن الشيخ الغزالى يصب جام غضبه على شرائح من الشباب لم تعرف من الإسلام إلا شكله ولا من القران إلا رسمه , فيقول :" يوجد بين المتدينين قوم أصحاب فقر مدقع فى ثقافتهم الإسلامية ، وإذا كان لهم زاد علمي فمن أوراق شاحبة تجمع كناسة الفكر الإسلامي ، والأقوال المرجوجة لفقهائه ! وهم يؤثرون الحديث الضعيف على الصحيح ، أو يفهمون الخبر الصحيح على غير وجهه ، وإذا كانت المدارس الفكرية في تراثنا كثيرة ، فهم مع ظاهر النص ضد مدرسة الرأي ، وهم مع الشواذ ضد الأئمة الأربعة ، وهم مع الجمود ضد التطور وقد سمعت بعضهم يحارب كروية الأرض ودورانها ، فلم تهدأ حربه حتى روى له أن ابن القيم يقول باستدارة الأرض ! ومازال البحث جاريا عن رواية أخرى تقول : إن الأرض تدور كي يسكت ويستكين . . . !! هل بين أولئك القوم وبين الخوارج القدامى قرابة روحية وفكرية؟ ربما  ..!" إن الشيخ هنا يدعو الشباب إلى التعمق فى الفكر الاسلامى وتحصيل العلم النافع الدقيق بعيدا عن القشور التى لاتسمن ولاتغنى من جوع . فهل إلى ذلك من سبيل..؟

* ويرى الشيخ العلامة في كتابه الرائع الجميل " علل وأدوية " أنَّ الاهتمام المبالغ فيه في المظهر على حساب الجوهر سبب في هزيمة الأمة هزيمة نكراء فيقول :" وعندما يتحول التدين إلى حركات بدن، وإتقان شكل، فإن حقيقته تضيع وغايته تبعد أو تتلاشى. المعنى الأصيل للتدين أن يكون حركة قلب، ويقظة فكر، أما المراسم الجوفاء والصورة الشاحبة فلا دلالة لها على شيء، ومن عجز عن تصحيح قلبه ولبه فهو عما سواهما أعجز، ويوم يتولى عملا ما في المجتمع فسوف يكون نموذجا للفشل لأنه لن يدفع تيارات الحياة إلى حيث يجب، بل ستدفعه هذه التيارات إلى حيث تشاء. وهنا الهزيمة الشنعاء للدين والدنيا.  " يركز الشيخ هنا على اللب لا على الشكل والصورة . فإن المسلمين اليوم فى أمس الحاجة إلى من يفكر لهم ومعهم فى حل مشاكلهم الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية . لقد كان الشيخ حقا نافذ البصيرة , عميق النظر , يفكر للأجيال القادمة ولاينظر تحت قدميه دون النظر إلى طول وعمق الطريق . 

* ويرى أيضا فى كتابه " مشكلات فى طريق الحياة الإسلامية " أن للتدين المغشوش أثراً كبيراً في إذكاء نار الخلاف الفقهي وشغل الأمّة بقضايا فرعية ، كما يرى أنَّ نفسيات أصحاب هذا التدين تستحق أنْ توضع تحت الدراسة ، فيقول : " ليس الدين ستارة لتغطية العيوب ، وإنما هو طهارة منها ، وحصانة ضدها ، وفى تجاربي ما يجعلني أشمئز من التدين المغشوش ، وأصيح دائما أحذِّر عُقْباه . . إن المنحرفين يسترون بركعات ينقرونها فتوقا هائلة في بنائهم الخلقي وصلاحيتهم النفسية ، وهم لا يظنون بالناس إلا الشر ، ويتربصون بهم العقاب لا المتاب ، وهم يسمعون أن شُعَب الإيمان بضع وسبعون شعبة ، بيد أنهم لا يعرفون فيها رأسا من ذنب ، ولا فريضة من نافلة ،  وهؤلاء يجعلون من الحبة قبة ، ومن الخلاف الفرعي أزمة . والخلاف إذا نشب يكون لأسباب علمية وجيهة ، وهؤلاء تكمن وراء خلافاتهم علل تستحق الكشف.

 * المجال لا يتسع هنا  لذكر كل المواقف والغزوات والمعارك الحربية الفقهية المصطنعة التى ألقى الشيخ الغزالي رحمه الله الضوء عليها , كما أنني فى هذا المقال عندما أفتح ملف هذه القضية , فلست أهدف إلى الغمز واللمز أوالتجريح أو التشهير بحزب أو هيئة أو مؤسسة أو جماعة أو  دعاة ومشايخ وعلماء بعينهم وأشخاصهم , بقدر ما أهدف إلى لفت الأنظار إلى فكر العلامة الفقيه " الشيخ الغزالى " ودأبه المستمر فى تصحيح صورة ومظهر بل وجوهر هذه العقيدة الغراء التى ما نزلت من السماء إلى الأرض , إلا لاعمارها وإصلاحها وليس لتخريبها وإفسادها . إن أوطاننا اليوم فى حالة يرثى لها من التردي الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والصحي , ومن ثم أصبح فرض عين على كل العلماء والخبراء والمفكرين والمشايخ والدعاة وأصحاب الرأي والفقه والعلم والفكر المستنير أن يلتقوا على كلمة سواء , وان ينبذوا الخلافات السياسية والحزبية والفقهية الضيقة من أجل مصلحة الدين والوطن , ويبتعدوا بأنفسهم عنها كما تبتعد الأسود الأبية عن الجيف النافقة النتنة . لابد لهم أن يشخصوا الداء ويصفوا الدواء الناجع الذى يخرج هذه الأمة من الظلمات إلى النور , ومن ظلام الجهالة إلى نور العلم , ومن التشرذم والخلافات , إلى الاتحاد والالتقاء على رؤى مستقبلية تنقذ سفينة الأمة من الغرق المؤكد . ومن أمة تابعة , إلى أمة متبوعة لها كرامتها ووزنها وشرفها بين الأمم . فهل إلى خروج من سبيل ؟

 

إقرأ ايضا