الشبكة العربية

الأحد 25 أغسطس 2019م - 24 ذو الحجة 1440 هـ
الشبكة العربية

الخوف العربي من استنساخ السترات الصفراء

الثورات تشبه قاعدة بسكال التي وضعها عالم الفيزياء والرياضيات والفيلسوف الشهير بليز باسكال في القرن السابع عشر، وهي أهم قاعدة في علم ميكانيكا الموائع، وتنص على أن الضغط على أي جزء من سائل محصور في وعاء مغلق ينتقل بكامله وبانتظام بالتساوي إلى جميع أجزاء السائل ويعمل في جميع الاتجاهات.
نتائج الضغط واحدة ومتشابهة. إذا ضغطت على الناس ومنعتهم من التعبير عن آرائهم، فإنك في الواقع تخاطر بقاعدة باسكال في ميكانيكا الموائع. إذا ضغطت عليهم بالغلاء وفرض المزيد من الضرائب التي لا يستطيعون التعامل معها في ظل إمكانياتهم المادية وانهيار قوة الشراء لديهم، فإنك تخاطر أيضا بانتهاك ذلك القانون الطبيعي.
لكن الحكومات لا تتعلم. الذاكرة عندها مفقودة ما دامت في السلطة. عندما هبت ثورات الربيع العربي آواخر 2010 من تونس، قلنا إن أسبابها لن تتكرر مرة أخرى. وإن الكلمة الشهيرة التي تلفظ بها في ذلك الحين الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي.. "فهمتكم" .. ليست خاصة به وحده، بل بكل النزعات الاستبدادية في المنطقة ولن تجرؤ بعدها على إعادة خلق الاستبداد.
الحكومات العربية لا تهتم عادة بمنع أسباب الثورات، بل بالحؤول دون وقوعها مستخدمة في ذلك أدوات الضغط التي يحذر منها علم الفيزياء.
غاية ما تتمناه وهي تراقب احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا، ألا يسمع بها أحد في البلاد العربية، وذلك بوضعهم في ما يشبه "الوعاء المغلق" وتظن أنها بذلك تنجح في منع استنساخها. وللأسف فإن المحيطين بهذه الحكومات، نوعية من المستشارين الذي لا يقرأون شيئا، وتنحصر كل مهاراتهم في استحسان أفعال الحكام وقراراتهم!
قاعدة باسكال تحذر من الضغط على الوعاء المغلق، وعلم الاجتماع السياسي يحذر من نتائج الانغلاق.. رغم ذلك فإن بطانة المستشارين التي تشبه بطانة فستان رانيا يوسف، تبدي مشورتها في استحداث طرق جديدة للمنع والضغط وكتم الأنفاس ومصادرة الحريات والتحذير من الآراء السلمية.
مؤكد أنهم نسوا الدرس الأخير الذي تلفظ به بن علي.. "فهمتكم"!!.. لكننا نتمنى ألا يضطروا إلى الفهم من جديد، وأن يقرأوا بعناية شديدة درس السترات الصفراء الفرنسية. عليهم أن يرموا جانبا ما صاحبها من تخريب وبعض العنف، والكف عن التهويل في رد فعل الشرطة الفرنسية بدعوى أنها استخدمت العنف، وأن جماعات حقوق الإنسان لم تنبس ببنت شفة لتدين ذلك السلوك البوليسي.
ليس هذا هو الدرس الذي يجب تصديره للناس. درس التخويف وانتقاد صمت الجماعات الحقوقية لدفعها إلى السكوت عن ما يحدث في بلاد العرب، لا يفيد شيئا في منع الظواهر الطبيعية والفيزيائية والكيميائية. 
الحكام أنفسهم في المنطقة العربية هم الذين يجب أن يفهموا ويتعلموا ويكفوا عن الضغوط التي تؤدي إلى استنساخ الثورات وما يصحبها من تداخل العنف مع السلمي.


[email protected]

 

إقرأ ايضا