الشبكة العربية

الأحد 20 سبتمبر 2020م - 03 صفر 1442 هـ
الشبكة العربية

الحسابات الخاطئة للسيسي في الملف الليبي

من الواضح الآن أن مشروع الجنرال "خليفة حفتر" دخل محاقه الأخير في الأزمة الليبية ، بعد سلسلة الهزائم الكبيرة والمتسارعة التي يلقاها في الأسابيع الأخيرة في غرب ليبيا ، وتبخر حلم اجتياح العاصمة طرابلس لتأسيس نظام عسكري جديد يحكم الشعب الليبي بالحديد والنار .
حفتر لن يخسر على المستوى الشخصي الكثير ، فهو بلا قيمة تذكر قبل ذلك ، سوى أنه قائد عسكري ليبي في جيش معمر القذافي ، تعرض للهزيمة المذلة في حرب عابثة مع جيش متواضع عسكريا في "تشاد" وتم أسره ، ثم العفو عنه بتدخلات دولية بعد ذلك وسفره إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الجنسية الأمريكية وأقام هناك قرابة ربع قرن كمواطن أمريكي ، قبل أن يعود في أجواء انتصارات ثورة 17 فبراير الشعبية أطاحت بالقذافي ونظامه وفتحت أفقا جديدا للشعب الليبي مع الحرية والكرامة والنظام المدني الديمقراطي .

حفتر ـ بعد خسارة مشروعه ـ قد يعود إلى "بلاده" الأمريكية ، أو يجد له مأوى أو ملجأ في إحدى عواصم الخليج المخملية ، كما حدث مع غيره من القادة المدحورين في ثورات الربيع العربي .
الشركاء العرب الثلاثة لخليفة حفتر يخسرون الآن قطعا من انهيار مشروعه ، وهم الامارات ـ رأس حربة الثورة المضادة في العالم العربي الآن ـ والسعودية ، ومصر .
الامارات خسارتها تتمثل في الهدر المالي الكبير الذي أنفقته ، أموال وسلاح ومرتزقة ونفقات إعلامة ضخمة ، في محاولة الاستثمار في الجنرال المغرور لسحق ثورة الشعب الليبي وهزيمة عاصمة أخرى من عواصم الربيع العربي ، وإقامة نظام عسكري قادر على قمع أي تطلعات مدنية ، فضلا عن سحق التيار الإسلامي الذي برز نجمه في أجواء الربيع العربي كبديل سياسي ، كما تخسر الإمارات معنويا بدون شك .
السعودية أيضا ، تخسر ما أنفقته من أموال ودعم في تمويل شراء السلاح ودفع رواتب المرتزقة الروس "الفاجنر" وهي أعلى بكثير من المرتزقة السودانيين الذين كان يوردهم قائد الجنجويد بأرخص الأثمان .

الخاسر الأكبر في انهيار مشروع "خليفة حفتر" هو مصر ، بدون أدنى شك ، ليس لأنها خسرت أموالا ، فالدفع كان خليجيا ، ولكن لأنها خسرت ما هو أهم وأخطر ، تهديد أمنها القومي ، وخسارة حليف وجار إقليمي شديد الأهمية ، وتربطها به وشائج تاريخية وجغرافية واجتماعية عميقة الجذور، فضلا عن خسارة مصر سمعتها الأفريقية ، واستنزاف طاقتها الأمنية والعسكرية في ملف ليس له أي أولوية على الإطلاق ، في الوقت الذي تتعرض فيه لتحد وجودي في منابع النيل .
لم تكن هناك أي مصلحة لمصر في خوض "الوحل" الليبي ، والرهان على قائد عسكري بلا أي تاريخ مثل "خليفة حفتر" سوى الاستجابة لإغواء الشيخ محمد بن زايد ، بدفع المليارات وتغطية شراء أسلحة حديثة ، وكان مشهد حضوره افتتاح قاعدة "محمد نجيب" العسكرية على الحدود الليبية في العام 2017 مثيرا للدهشة في فجاجته ودلالته الواضحة .

كانت مصر تمثل "الشقيق الأكبر" للجارة ليبيا ، وظلت تمثل مرجعية الحل السياسي ، وكان قادة الحكومة الشرعية في طرابلس يأتون إلى القاهرة بصفة مستمرة تلبية لأي دعوة ، ثقة في مصر ومكانتها وثقلها وحياديتها ، قبل أن تنقلب تلك الصورة ، بعد صفقة محمد بن زايد ، لتصبح مصر طرفا صريحا في الصراع الأهلي في ليبيا ، وتعلن انحيازها بوضوح كامل إلى الجنرال المتعجرف خليفة حفتر ، وتتلقى الاتهامات الدولية المتوالية بمشاركتها في قصف العاصمة الليبية ومدن أخرى ، بل وتتباهى القيادة المصرية بتدريبها ومساعدتها لحفتر ، باعتبار أنه يحارب الإرهاب ، رغم أن الهدف كان شديد الوضوح ، ورغم أن حفتر نفسه يتحالف مع إرهابيين متحدرين من تنظيم القاعدة ومن داعش ولديه ميليشيات سلفية مسلحة متشددة ، ورغم أنه ساعد داعش في تأسيس "إمارته" في سرت ، لتكون شوكة في خاصرة "مصراته" الخزان البشري الأهم للحكومة الشرعية ، وقدم لها الدعم عندما كان ثوار ليبيا يخوضون معركة حاسمة وبالغة العنف مع التنظيم انتهت بدحره في سرت وتطهير ليبيا من نفوذه .

مع الأسف ، تحالفت مصر مع قادة ميليشيات مطلوب القبض عليها من محكمة جرائم الحرب الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في ليبيا ، أمثال "محمود الورفلي" ، وفشلت في تسويق تلك الميليشيات بلافتة "الجيش الوطني الليبي" .
وزاد الأمر سوءا ، عندما دعمت مصر هجوم حفتر الدموي على العاصمة طرابلس ، تحت وهم أنه قادر ـ بالدعم المصري الاماراتي ـ على سحق قوى الثورة الليبية وإسقاط الحكومة الشرعية ، وفرض نمط حكم عسكري صارم في عموم ليبيا ، يدين بالولاء الكامل لمموليه السابقين ، وكان الخطاب السياسي المصري صريحا في دعم حفتر بوصفه يحارب الإرهاب ، رغم أنه جنرال متمرد على الحكومة الشرعية التي تعترف بها مصر نفسها ، وتعترف بها الجامعة العربية وتعترف بها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ، وهي سابقة خطيرة في سمعة مصر الدولية ، والأفريقية بشكل خاص .

دخول تركيا إلى المعترك الليبي قلب الأمور رأسا على عقب ، وغير مجرى الحرب ، وبدأ مشروع الجنرال يتبخر عمليا ، ومن الواضح أن الأيام المقبلة ستشهد المزيد من الأخبار غير السارة لمصر والامارات من ليبيا ، وكان المندوب الليبي في إفادته أمام مجلس الأمن أول أمس كريما مع "مصر" عندما ركز اتهاماته على الامارات ، بأنها ارتكبت جرائم حرب في ليبيا ، وأنها ساهمت في إشعال الحريق وتدمير مقدرات الشعب الليبي ، وأنه يجري إعداد ملف بتلك الجرائم لتقديمه لمجلس الأمن .

اليوم ، الجميع يراجع ملفاته في ليبيا ، الروس والاتحاد الأوربي ، وحتى فرنسا ، والامارات كذلك يبدو من خطاب وزيرها "أنور قرقاش" الأخير أنها تحاول أن تطوي صفحتها في ليبيا بأقل الخسائر ، وتنسحب سياسيا بعد هزيمتها عسكريا ، ولا يليق بمصر أن تنتظر جلاء الموقف الاماراتي لتقرر اختياراتها في ليبيا ، لأن ما تعنيه ليبيا لمصر أكثر بكثير مما تعنيه لإمارة أبو ظبي الصغيرة على الخليج العربي .
العناد يعني المزيد من النزيف والخسائر في القدرات والهيبة العسكرية ومصداقية الديبلوماسية المصرية افريقيا وعربيا ، والمأمول أن يتم رفع الغطاء المصري عسكريا وسياسيا عن "حفتر" ، وفتح قنوات اتصال مباشرة وعاجلة مع الحكومة الشرعية في طرابلس ، وكذلك مع البقية الباقية من أعضاء البرلمان المتبقين في "طبرق" برئاسة عقيلة صالح ، وهم أشبه برهائن للجنرال المتعجرف ، وأن تطرح مصر رؤيتها لحل سياسي شامل في ليبيا ، بالشراكة مع القوى الدولية والإقليمية الفاعلة الآن على الأرض ، بمن فيها تركيا والاتحاد الأوربي والأمم المتحدة ، وفي المحصلة ، مصر بحاجة لاستعادة ثقة الشعب الليبي ، والحكومة الليبية الشرعية بأسرع وقت ممكن .


أولويات مصر ينبغي أن تكون متعلقة بالحسابات الوطنية المصرية البحتة ، وليس بحسابات أي دولة أخرى ، أولويات مصر ينبغي أن تتعلق بصميم الأمن القومي ، ومصر بحاجة لأن تتفرغ ، سياسيا وديبلوماسيا وعسكريا ، للخطر المحدق على شعبها ووجودها نفسه في الجنوب ، حيث منابع النيل ، وحيث أعلنت اثيوبيا نيتها البدء في ملأ سد النهضة الشهر المقبل دون انتظار أي تسويات مع مصر أو غيرها ، قاعدة محمد نجيب ، كان مكانها المنطقي في أقصى الجنوب الشرقي ، وليس على حدود ليبيا ، فبكل الحسابات العسكرية أو الأمنية أو المخزون البشري لا تمثل ليبيا أي خطر على مصر من أي وجه ، وحتى تسلل بعض المجموعات الإرهابية الصغيرة يمكن السيطرة عليه بسهولة ، باتفاقات مع الحكومة الشرعية هناك .

يكفي إهدارا للسمعة وللقدرات ويكفي تعريض الأمن القومي المصري للخطر بدون أي معنى أو ضرورة .

 

إقرأ ايضا