الشبكة العربية

الخميس 17 أكتوبر 2019م - 18 صفر 1441 هـ
الشبكة العربية

الجماعة الإسلامية مشروع ثوري يؤذن بالرحيل

لا يعرف التاريخ أبدية الدول والممالك، فهي أشبه ما تكون بالكائن الحي تولد وتستوى على عودها ثم ما تلبث أن تمرض وتهزل إلى أن ترحل، والجماعات ليست استثناء من هذا القانون، فكم عرف التاريخ من جماعات وتنظيمات ظهرت لأسباب مختلفة لكنها رحلت وصارت جزءا منه.
الحركة الجماعاتية المصرية التي تأسست بواكيرها عام ١٩٢٨ على يد حسن البنا، الذي أنشأ جماعة الإخوان المسلمين لتعوض الفراغ الناشئ عن غياب دولة المسلمين الجامعة التي انتهت آخر طبعة منها بانهيار الدولة العثمانية، اتخذت صورا شتى وسلكت مسارات متعرجة، لكننا يمكننا القول أن ثورات الربيع العربي التي تفجرت عام ٢٠١١ كانت بداية النهاية لتلك الحركة، وتأسيس ما يمكن أن نطلق عليه "حركة الجماهير" التي ظلت تلك الجماعات تحاول أن تنوب عنها في نضالهم ضد الأنظمة السلطوية، من خلال عمل جماعي "منغلق" ومؤطر بأطر تنظيمية حديدية.
الجماعة الإسلامية لم تكن بعيدة عن تلك التفاعلات بل لعلها كانت أقربها بفعل الأحداث التي مرت بها في مسيرتها الممتدة من سبعينات القرن الماضي، والتي أثرت دونما شك في حفاظها على عافيتها وقدرتها على تجديد بنيتها الفكرية والتنظيمية، قبل أن تصل إلى المشهد الحالي، الذي قررت فيه السلطات في مصر تصنيفها لأول مرة جماعة إرهابية.
قرار حمل مفارقة غريبة، فرغم الصدام المسلح بين الجماعة وبين نظام مبارك، إلا أنه لم يتخذ مثل ذلك القرار، ليتخذه السيسي بعد أكثر من عشرين سنة من مبادرة وقف العنف التي التزمت بها الجماعة شكلا وموضوعاً.
 القرار أثار تساؤلات جدية عن قدرة الجماعة على تجاوز الأزمة، أم أنها دخلت بالفعل في مرحلة الغياب النهائية من حيث الشكل وإن بقت في النهاية تاريخا ملكا للجميع.
مشروع ثوري امتلك عناصر النجاح 
ظهرت الجماعة الإسلامية لأول مرة في الجماعات المصرية مشروعا عريضا للتغيير المرتكز على أسس إسلامية، والذي حاول تجاوز جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت تحاول آنذاك تضميد جراحها والبحث عن موضع قدم في الساحة عقب انتهاء سنوات الشدة "الناصرية".
تمكنت الجماعة الإسلامية "الطلابية" من فرض على نفسها بعد أن تحولت إلى رقم شعبي مهم، قبل أن تتعرض للتشظي عقب الاختراق الإخواني السلفي إلى بنيتها الشبابية، لكن مجموعة الصعيد اختارت الحفاظ على الاسم والتنظيم، وعملت على تطوير الحركة ومحاولة مواصلة المشروع "الثوري" الذي بدأ من الجامعات وتحويله إلى حركة شعبية مجتمعية، وبالرغم من تورط الجماعة في اغتيال الرئيس الأسبق أنور السادات، إلا أنها استطاعت استئناف نشاطها في مدة وجيزة وعادت مرة أخرى لتؤسس بواكير مشروع ثوري استطاع فرض شخصيته في مدة وجيزة، لعدة أسباب أهمها.
امتلاك خطاب سياسي ثوري مفارق للسلطة الحاكمة، ففي وقت كانت فيه معظم مكونات الحركة الإسلامية آنذاك تتلمس رضا نظام مبارك في سنوات حكمه الأولى، كانت الجماعة تحلق بعيدا عنهم وتعلن عداءها الصريح لنظامه الذي اعتبرته امتدادا للأنظمة التي سبقته، فبينما سارعت جماعة الإخوان المسلمين إلى تأييد مبارك في التجديد الأول عام ١٩٨٧، قادت الجماعة الإسلامية رفضا حمل عنوان "لا لمبارك" أعلنت فيه رفضها الصريح للتجديد لمبارك. كانت الجماعة في ذلك الحين مازالت مدفوعة بمعارضتها العنيفة للسادات وكانت محل ثناء تيارات سياسية كثيرة دخلت في خصومة مع السادات عقب توقيع معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل. الخطاب الذي امتلكته الجماعة لم يتوقف عند الحدود السياسية بل تعداها إلى الاقتراب من المهمشين والمحرومين وهي طبقات واسعة الانتشار في مصر، فعلى سبيل المثال عارضت الجماعة ارتفاع أسعار الخبز أواخر الثمانينات ما جعلها مصدر قلق بالغ للنظام الحاكم آنذاك، الذي كان يدرك أن تماهي الجماعة بفواعلها وكوادرها الشبابية مع متطلبات الطبقات الفقيرة قد يؤدي إلى انبثاق حركة شعبية مغايرة للأنماط السائدة للوجود الحركي "الإسلامي" في مصر. كانت الجماعة الإسلامية تتحرك على يسار الجميع، لكنها لم تقطع الشوط إلى نهايته وتحولت إلى مسارات أخرى سيأتي ذكرها.  
التمرد على التشكيلات الإسلامية الموجودة، فكما كانت الجماعة الإسلامية تمردا صريحا على السلطة الحاكمة، كانت رفضا لجميع تمظهرات الحركة الإسلامية، فقد فارقت جماعة الإخوان المسلمين والمدارس السلفية المشائخية بجامع "مداهنة" السلطة الحاكمة وعدم نجاعة أساليب التغيير المعتمدة في تأسيس مجتمع "إسلامي"، كان الصراع بين الجماعة الإسلامية والإخوان في صعيد مصر على أشده وإن استطاعت الجماعة حسمه في أماكن عدة، وكان في معظمه صراعا حركيا تنظيميا، عكس ما حدث في القاهرة والوجه البحري الذي تحول إلى صراع علمي مع المدارس السلفية، تمحور حول مسائل الحاكمية ومشروعية العمل الجماعي، كانت الجماعة الإسلامية حركة "مفاصلة" حسب تعبير د./كمال حبيب لهذا النمط من الحركات، امتدت مفاصلتها من السلطة الحاكمة إلى التعبيرات السياسية والفكرية الموجودة آنذاك، لكن الملاحظ أن الجماعة لم تسحب تلك المفاصلة إلى المجتمع، ولم تنظر إليه كداعم للسلطوية القائمة عكس ما فعلت جماعات أخرى، بل تصدت بقوة لأفكار وممارسات الجماعات التكفيرية كالتكفير والهجرة والتوقف والتبين.
منح العنصر الشبابي الجماعة الإسلامية، عنصر تميز وقوة، وإذا ما تجاوزنا القيادة الرمزية للجماعة المتمثلة في العالم الأزهري د./عمر عبد الرحمن، فإن متوسط عمر الجماعة - على مستوى القادة الحركيين أو القاعدة- حينها كان أقل من ثلاثين عاما، الأمر الذي منحها قدرة عالية على الحركة وإحداث إزعاج حقيقي للسلطة الحاكمة، وتحمل الضربات الأمنية التي لم تهدأ منذ تولي زكي بدر وزارة الداخلية عام ١٩٨٦، التقارب العمري داخل الجماعة أبعد عنها شبح ما يسمى بـ "صراع الأجيال" وجعلها تبدو وحدة منسجمة، لذا لم تظهر صراعات عنيفة داخل البناء العام وظلت محتفظة بوحدتها التنظيمية والفكرية .
 الجماعة الإسلامية وعوامل الإخفاق
 لكن في الوقت ذاته كانت عوامل الإخفاق تبدو جلية وكانت أدنى مراجعات في وقت مبكر كفيلة باكتشافها والتعامل معها بما يضمن اكتمال المشروع وتحقيق أهدافه، وكانت أهم هذه العوامل:
أولاً: إهمال الجماعة بناء مشروع فكري متكامل مناهض للسلطوية القائمة، يمتد كمظلة لأطياف شتى من المجتمع المصري، يعمل على تحقيق قيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، لكن الجماعة بدلا من ذلك اعتمدت مجموعة من الكتب والأبحاث كان لكل واحد منها قصة وراء تأليفه، وظلت تدرسها لأفرادها باعتبارها تمثل مجموع التوجهات الفكرية لها وفي مقدمتها كتب ميثاق العمل الإسلامي، ووجوب العمل الجماعي، وقتال الطوائف الممتنعة عن تطبيق شرائع الإسلام، وحتمية المواجهة، وحكم الحاكم المستبدل لشرائع الإسلام، والحركة الإسلامية والعمل الحزبي
هذه الكتب وما حوته من أفكار لعبت دورا مفصليا في توجيه الجماعة بعد ذلك صوب الصدام المسلح مع الدولة، وابتعادها عن العمل السياسي، رغم أن مراجعات جادة ربما كانت ستوفر على الجماعة سنوات طويلة أنفقت في غير موضعها    
ثانياً: التسلل السلفي السعودي إلى تضاعيف حركة الجماعة وأفكارها، فالجماعة رغم حرصها على المباينة مع التيارين الإخواني والسلفي إلا أنها أكدت في "ميثاق العمل الإسلامي" على سلفية عقيدتها وتوجهها، كما أن منهجها التعليمي تتضمن مصنفات للعديد من علماء المدرسة السلفية "السعودية"، لكن ينبغي الإقرار أن هذا التسلل السعودي "الوهابي" لم يقتصر آنذاك على الجماعة الإسلامية وحدها بل امتد إلى بقية مكونات الحركة الإسلامية المصرية وفي المقدمة جماعة الإخوان المسلمين على نحو ما رصده حسام تمام – رحمه الله – في أطروحته المهمة " "تسلف الإخوان: تآكل الأطروحة الإخوانية وصعود السلفية في جماعة الإخوان المسلمين" 
التأثير السلفي السعودي على حركة الجماعة بدا واضحا في اهتمامها بقضايا الشكل (اللحية-النقاب-الجلباب) ما أدى إلى التميز عن المجتمع المصري بدلا من الاندماج فيه وفي مشاكله، كما أدى إلى استلهام الاختيارات الفقهية السعودية ومحاولة فرضها على المجتمع المصري، مثال ذلك انحياز الجماعة للرأي القائل بحرمة الغناء، ثم محاولة إلزام المجتمع به من خلال "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" هذا التأثر أدخل الجماعة مسارات متعرجة أبعدها عن مشروعها الأساسي المناهض للطاغوتية القائمة، ولم يخلق لها القاعدة الشعبية المرجوة التي ربما شعرت أن الجماعة تنفذ أجندتها لا أجندة الشعب.
ثالثا:  التورط في الصدام المسلح مع الدولة، هذا الصدام رغم كلفته على الدولة إلا أنه كان بمثابة الهدية التي قدمتها الجماعة لمبارك ونظامه، حتى يتخلص منها ومن معارضتها، وأتاحت له تقديم نفسه للخارج مرة أخرى باعتباره صدا منيعا ضد "الإرهاب"، ومنحته فرصة للبقاء مدة أطول.
ويبدو أن تراخي الجماعة عن لجم العنف في أوقات مبكرة، ظل يؤرقها فيما بعد حتى جاءت حركة المراجعات التي افتتحتها رسميا عام  ١٩٩٧ قبل أن تستكملها لاحقا نهاية عام ٢٠٠١ والتي خصصتها تقريبا للتحذير من مغبة العنف والصدامات المسلحة مع الأنظمة الحاكمة، وعرضت أوجه الإخفاق في تجربتها بشفافية تامة.
هي إذن إنجازات وإخفاقات تناوبت على مسيرة الجماعة الإسلامية تبقى ملكا للأجيال تحكم عليها بما لها وما عليها، لكن التاريخ له سننه وقوانينه الصارمة التي لا تحابي أحدا، لذا فالرحيل "التنظيمي" لن يكون مقصورا على الجماعة الإسلامية وحدها بل سيمتد إلى المشروعين الإخواني والسلفي وإلى مجمل الحركة "الجماعاتية"، تأسيسا لعصر جديد مازال يبحث عن مظلة أوسع وأشمل للعمل الوطني.

 

إقرأ ايضا