الشبكة العربية

الإثنين 20 مايو 2019م - 15 رمضان 1440 هـ
الشبكة العربية

البشير من الاستبداد إلى الجنون

منطقتنا العربية مشهورة على مستوى العالم بأنها معقل حصين للاستبداد والطغاة وهناك أبحاث عديدة لمراكز الفكر والجامعات الغربية للكشف عن الجذور التاريخية والثقافية لتأصل هذه الظاهرة في منطقتنا منذ فجر التاريخ ولا يبدو في الأفق البعيد أي علامة بقرب بزوغ فجر جديد لهذه المنطقة البائسة. 

وقد سبق لنا الكتابة عن موضوع الاستبداد وكانت خلاصة قناعاتنا أن إرثنا الاستبدادي الطويل يرجع إلى الانتماءات القبلية والعرقية التي تعلو فوق مفهوم الدولة الحديثة بالإضافة الى الثقافة الدينية المتحجرة التي أسس لها الأشاعرة الذين اختزلوا العالم والوجود في الحضور المطلق للإله في السماء والحاكم في الأرض وطاعتهما أهم من أي شيء آخر. ومن ثم اعتادت الجماهير العربية أن تكون رعية مستسلمة للحكام وغير مبالية، ومع الوقت ضعف لديها الإحساس بالمواطنة والانتماء. وكما قلنا من قبل إنه لو كانت الهجرة لأوروبا وأمريكا سهلة لهاجرت كل شعوبنا وما بقي في بلادنا سوى حاشية الحاكم واللصوص.
     
موضوع مقالي القصير هذا هو ما لاحظناه من تطابق مدهش في سلوك حكامنا المستبدين خلال مرورهم بما نسميه بالدورة الزمنية للاستبداد. وبمناسبة ما يحدث في السودان من ثورة شعبية جديدة على عالمنا العربي من حيث أسلوبها وصمودها الفريد لفترة طويلة فسوف نستخدم الطاغية البشير كحالة تطبيقية لبيان ما توصلنا اليه من استنتاجات، وسوف تلاحظون أن ما ينطبق على البشير ينطبق على كل المستبدين العرب من المحيط الى الخليج. 
وإليكم المراحل التي يمر بها المستبد العربي:

1 – عادة ما يصل هذا الطاغية إلى الحكم بشكل انقلابي على نظام الحكم القائم ولست هنا بصدد إصدار أي أحكام قيمية على ما إذا كان الانقلاب مبرر أو أخلاقي ولكننا نتحدث عن الاسلوب، فقد يستولى الزعيم الجديد على الحكم في شكل خيانة أو اغتيال أو انقلاب عسكري على من سبقه. وبالنسبة للبشير فقد أتى على ظهر دبابة في انقلاب عسكري ضد حكومة مدنية، والمفارقة هنا تأكيده الآن أنه لن يرحل إلا من خلال انتخابات حرة ونزيهة! وفي موضع أخر يقول إن من يخلفه لابد أن يكون من أصحاب البدلة الكاكي أي من العسكر، إذن أين هي الانتخابات الحرة والنزيهة!!

2 – عادة ما يبدأ الحاكم العربي المستبد فترة حكمه بتصنع التواضع والابتسامة الحلوة والشفقة الزائدة على أحوال شعبه والاستشهاد في كلامه بآيات من القرآن وأحاديث من السنة وأنه لا يخشى إلا الله ولا يخاف من أمريكا لأن ظهيره هو ذات الشعب الطيب الذي يمتطيه. وأحيانا تظهر على أم رأس الزعيم زبيبة الصلاة بشكل مفاجئ للدلالة على التقوى والصلاح وأنه لا يفارق السجادة. وهذا يثبت أن الدين أداة جيدة للتقرب والسيطرة على الشعوب.

3 – ولأن عالمنا العربي لم يعاني طوال تاريخه الممتد من نقص في المعروض من الآفقين والانتهازيين والمتملقين والمنافقين فإنه سرعان ما يلتف هؤلاء على الحاكم وتبدأ مرحلة تأليهه من خلال وصلات التغني بحكمته وحنكته وعبقريته في السياسة والاقتصاد والادارة والتعليم والصناعة والزراعة ....الخ وأن علينا أن نسجد لله شاكرين أن انعم علينا بهذا الحاكم الذي لم يخص به باقي دول العالم. ويبدأ الانتهازيون والمتملقون في المطالبة ببقاء الزعيم في الحكم مدى الحياة حتى ولو كان مقعدا ولا يدري بما يحدث حوله مثلما يحدث الآن مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ومن قبله الرئيس التونسي بورقيبة وغيرهم.

4- ولإن طبيعتنا البشرية كعرب تحب الاطراء والمدح والثناء فإن سلوك الحاكم يبدأ في التغير وتركبه حالة من الغرور والعظمة والنظر إلى الشعب كتجمع لأناس فاقدي الرشد ويبدأ الرئيس مرحلة الأبوية والوصاية على الشعب الذي ينبغي أن يستمع له وحده فهو الوحيد الذي يفهم وهو الأجدر بالحكم. ثم يبدأ الطاغية في التخطيط للبقاء على مقعد الرئاسة حتى الموت حتى ولو استدعى الأمر تغير الدستور والقوانين واعتقال المعارضين. 

5- بعد ضمان الزعيم البقاء في الحكم حتى الموت ومع تقدمه في العمر يبدأ في البحث عن خليفته وعادة ما يقع اختياره على أحد أبناءه، وفي حال عدم وجود أبناء فإنه يتجه إلى أحد المقربين منه لحماية ظهره من الغدر وحماية مصالح أسرته من بعده. وعادة ما يفضل الزعيم أن يكون وريثه في الحكم ضليع في الفساد من العيار الثقيل حتى يسهل ابتزازه والسيطرة عليه عند الضرورة.

6- وأخيرا تبدأ مرحلة الجنون حيث ينفصل الزعيم تماما عن الواقع الحياتي للناس ومعاناتهم من جراء سوء إدارته وسياساته الفاشلة وفساد من حوله. وتتعالى أصوات الفقراء مطالبة إياه بالرحيل ولكنه يرفض ويبدأ في اتهام المطالبين بالتغيير بالعمالة وأنهم فئة صغيرة مندسة وممولة من الخارج وإنه لابد من القضاء عليهم حتى لو اقتضى الأمر اعتقالهم أو قتلهم حتى يتسنى لسيادته استكمال مسيرة الخراب.
يزداد جنون الطاغية وهو الان يتوجس في كل المحيطين به خاصة أولئك الذين يطلبون منه التغيير الجاد والحقيقي نزولا على رغبة الجماهير فيبدأ في التخلص منهم وتولية من هم أسوأ تحت دعاوى محاربة الفساد والتغيير. ويزداد تشبثه بالحكم من خلال الخداع والمزيد من الوعود الكاذبة واتخاذ تدابير ضارة بالبلاد.

وهذا بالضبط ما يفعله البشير في السودان هذه الأيام فبدلا من أن يفكر في الرحيل استجابة لمطلب الغالبية العظمى من أبناء شعبه الذين يتظاهرون بشكل يومي منذ ثلاثة أشهر وهي مظاهرات تشارك فيها كل أطياف الشعب السوداني ومختلف النقابات والتجمعات مثل أساتذة الجامعات والمحامين والمهنيين والصحفيين والطلاب من الشباب والشابات وحتى السيدات والأطفال ولم يتبقى سوى أن يخرج الموتى من قبورهم لإقناع البشير بالرحيل والالتحاق بهم.

وبالرغم من تجاهل كل الدول العربية والعالم لثورة الشعب السوداني ضد الطاغية إلا أن هذا الشعب العظيم لم يبالي ومستمر في ثورته وتضحياته من أجل بناء سودان جديد. 
إن ما يحدث في السودان لم يحدث من قبل في أي بلد عربي. لأن توراتنا النادرة عادة ما تكون قصيرة النفس والاجل بسبب طبيعتنا المسالمة غير الثورية بحكم جغرافيا منطقتنا.

الآن البشير وحزبه الحاكم يحاول بشتى الطرق قمع الثورة ومن أخر محاولاته الدنيئة قيامه بإعلان حالة الطوارئ وعزل رئيس الوزراء وتعيين وزير الدفاع نائبا له وتعيين حكام جدد لكافة ولايات السودان من العسكريين.   والبشير بهذه الخطوة الغبية يدمر ما تبقى من مقومات الاقتصاد السوداني الذي بحاجة ماسة للاستثمارات الأجنبية، أين هو المستثمر الأجنبي الذي يمكن ان يأتي إلى السودان في ظل هذه الأجواء؟ ألا يعني هذا مد أجل معاناة السودانيين إلى مالا نهاية؟ وكل هذا فقط من أجل أن يستمر هذا الطاغية في الحكم، أليس هذا هو الجنون بعينه؟ 

الأمر ليس سهلا ومشوار الثورة طويل خاصة بعد أن علمتنا تجربة الربيع العربي أن التخلص من رأس النظام وحده لا يكفي لتحقيق التغيير الديمقراطي الحقيقي المطلوب لدخول مرحلة المجتمعات الحديثة ودولة الحريات والقانون بمعني ان الثورة على الدولة العميقة أصعب بكثير من التخلص من رأس الحكم.
 
وردا على التصعيد الأخير للبشير فإنه يتعين على الإخوة السودانيين أن يتوصلوا مع رئاسة الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني الدولية وجماعات حقوق الإنسان للضغط على نظام البشير للرحيل مع المطالبة بالبدء في محاكمته دوليا. 
الحكام المستبدون في عالمنا العربي يستمرون ينجحون في البقاء لعوامل كثيرة منها دعم رجال الدين لهم وضعف الشعوب العربية وعدم تواصلها مع بعضها البعض وانفصال النخبة وهي ذات النخبة التي عادة ما تقود الشعوب في عملية التحرر والتغيير كما هو الحال في الدول الأخرى بينما النخبة لدينا تنتظر إن يأتي التغيير من أسفل أي من الشعب الذي ينتظر منذ عقود أن يأتي التغيير من أعلى أي من النخبة ولذلك وبكل أسف فإن التغيير المنشود لن يأتي من الداخل وحده ويبدو أن قدرنا هو أن نتطلع دائما إلى الخارج في كل شيء يتعلق بحياتنا واحتياجاتنا بما فيها تحررنا وحقوقنا. 

تحية لشعب السودان المناضل من أجل حريته وكرامته.


د. محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي 
[email protected]
 

إقرأ ايضا