الشبكة العربية

الثلاثاء 24 نوفمبر 2020م - 09 ربيع الثاني 1442 هـ
الشبكة العربية

الإنسان بين وخز الضمير وألم التحقير

*  الضمير .. وما أدراك ما الضمير , كلمة يرددها الناس على ألسنتهم بفهم أو بلا فهم مرارا وتكرارا على مدار الساعة.  فما الضمير هذا يا سيادة ؟ الضمير هو ذلك الميزان الحساس فى قلوب وعقول كل الناس. إن  مالت يوما ما كفتاه ، بلغ الإفك منتهاه، ولم يحرك المرء للحق ساكنا فى أى اتجاه.  هو الإحساس بالمسؤولية تجاه من تعولهم , هو الشعور بتأنيب النفس إذا أخطات وقصرت , هو ما حاك فى نفسك وخفت أن يطلع عليه الناس إذا فعلت شيئا يغضب الله تعالى.  وهل يقدر أن يعيش  المرء بلا ضمير ، لا يأمره ولا ينهاه. ؟ . لا يستطيع  المرء بدونه أن يميز بين حق وباطل، أو خير وشر،أو ظلم وعدل. وكيف لا..؟والميزان مختل والضمير معتل. إنسان بلا ضمير، كسماء مظلمة بلا قمر ينير. الضمير هو لوح الزجاج الشفاف أمام السائق الذى يرى من خلاله مطبات ومنحنيات واعوجاج الطريق، فإن التصق به الغبار والأتربة، هوت السيارة فى واد سحيق، واشتغل فيها الحريق ، وكان مصير ركابها بين جريح وقتيل وغريق.

 ** كذلك الأمم و الشعوب إن غربت شمس ضميرها, ضلت وأضلت وانحرفت عن طريق الحق وأصبحت مغنما لأراذل الأمم كحال أمتنا اليوم , صارت بلا عنوان أو هدف واضح تسعى لتحقيقه وتحيا من أجله .  الناس يغسلون ملابسهم وأبدانهم  كل يوم مرة أو مرتين، ولا يفكرون فى غسل ضمائرهم ولو مرة واحدة كل عام، لإزالة ما التصق بها من غبار الزمان وأتربة الأيام.كم من علماء ودعاة ومشايخ قضوا أعمارهم بين المنابر والمحابر، لو وزع علمهم على أهل الأرض لكفاهم، غير أنهم لم ينصروا حقا،ولم يدحضوا باطلا. فعاشوا بلا ضمير،وماتوا كالأسير ،فما بكت عليهم السماء والأرض. الضمير كدقات قلب المرء، يجب ألا يتوقف لحظة واحدة ،وإلا توقفت الحياة.الضمير هو ذلك القلم بين أنامل الكاتب والمفكر الحر.عندما يتحول معظم الكتاب إلى كتبة وعندما يتحول المفكرون إلى معكرين يصطادون فى الماء العكر، هنا يبرز قيمة القلم الحر الذى يحرك الضمير الإنسانى المجرد من شبهات المصالح وشهوات النفس ، فيضع النقاط على الحروف ويميز الغريب من المألوف ولا يكن مجرد مداد يسطر ورقا لا قيمة له يعلاه التراب والغبار على الرفوف. ذلكم هو القلم وذلكم هو الضمير معه تتقدم الأمم والشعوب للإمام تنطلق وتسير.
** الضمير هو صوت السياسي الوطنى الحر الذى لا يبيع مبادئه وان شئت فقل وطنه بثمن بخس دراهم معدودات.الضمير هو ذلك الحاجز الحديدى الذى يحول بين السياسى وبين أن يتحول إلى مهرج فى سيرك ليلى فى حى شعبى يرقص على كل الأحبال ويدق على كل الطبول وينفخ فى كل المزامير. إن شئت فقل مجرد حاوى حيات  هندى يرقص فتتراقص على أنغام مزاميره الحيات. تراه فى الصباح فى أقصى اليمين وفى المساء فى أقصى اليسار حسب الظروف والأحوال فهو متقلب تقلب الليل والنهار  فهو كدخان بلا نار لا يقدم ولا يؤخر قيد أنملة .يظل الضمير الشمس الساطعة فى عقل وقلب السياسى فتعلو فوق رأسه راية الوطنية الخالصة والمبادئ المجردة من حظ النفس والهوى والشيطان وإن طوقوا رقبته بحبل المشنقة لأن خروج الروح أحب إليه من التلون كالحرباء  . هو إسلامي إن وصل الإسلاميون للحكم , وهو يسارى علمانى إن وصل اليساريون للحكم . فقد الضمير وانحرفت بوصلته وتراقص مؤشرها تجاه قبلة من يجد مصلحتهم معه .
** الضمير هو الحارس الذى يحرس القاضى من أن ينحرف بقضيته فيصحح بضميره اعوجاج القانون وبعدله ظلم النصوص .هو ذلك النداء الداخلى الذى يلازم القاضى كطيف خياله فلا يفارق أبدا حيثما كان. فلا ينحرف بحكمه لجهة على حساب جهة ولا لشخص على حساب شخص ولا لحزب على حساب حزب.تراه متجردا من الهوى مطبقا صحيح القانون رافعا راية العدالة لا فرق فى ذلك بين كبير وصغير أو وزير وغفير. لأن فقدان الضمير يعنى موت العدالة وإذا ماتت العدالة اهتزت الأوطان وسقطت بين مخالب الظلم الذى يؤدى إلى خراب الأوطان وهدم البنيان وضياع الإنسان. الضمير أحيانا يكون أقوى من النصوص لانه السر الإلهي داخل النفس البشرية ليميز المرء به بين الحق والباطل وبين الجانى والضحية وبين الظالم والمظلوم .
** الضمير هو ذلك الحاجز الذى يمنع الشيخ أو العالم أو الفقيه أن يحرم ما أحل الله ويحل ما حرم الله ابتغاء عرض من الدنيا زائل أو منصب فانى.  فتراه يلوى عنق الآيات ليا  ويحمل النصوص معانى لا يحتملها النص المقدس مستغلا براعته اللغوية فى تضليل البسطاء والجهلة الذين لا علم لهم ولا فقه .  يحول نصوص الدين إلى مزاد علني يفسرها لمن يدفع أكثر فيضل الناس بعلم وبغير علم.يستيقظ الضمير فى لحظة فارقة فيثبت الله به الأقدام حتى لا تزل بعد ثبوتها ,  فلا يقف العالم على باب الحاكم ذليلا منكس الرأس مطأطي الهامة بل يقف شاملا عزيزا بعقيدته ودينه وثباته على الحق المبين .
** لقد وقع بين " المنصور" وزوجته الحرة شقاق بسبب ميله عنها، وطلبت العدل منه، فقال لها بمن ترضين في الحكومة –التحكيم- بيني وبينك، قالت: بأبي حنيفة، فرضي هو أيضاً، فأحضره وقال له: يا أبا حنيفة، الحرة تخاصمني فأنصفني منها، قال: ليتكلم أمير المؤمنين، قال: يا أبا حنيفة، كم يحل للرجل أن يتزوج من النساء فيجمع بينهن؟ فقال: أربع، قال: وكم يحل له من الإماء؟ فقال: ما شاء ليس لهن عدد، قال: أيجوز لأحد أن يقول خلاف ذلك؟ فقال لا. قال المنصور قد سمعت، فقال أبو حنيفة: إنما أحل الله هذا لأهل العدل، فمن لم يعدل أو خاف ألا يعدل فينبغي أن لا يجاوز الواحدة، قال الله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً) فينبغي أن نتأدب بأدب الله، ونتعظ بمواعظه، فسكت أبو جعفر وطال سكوته، فقام أبو حنيفة وخرج، فلما بلغ منزله أرسلت إليه زوجة المنصور الحرة- خادماً ومعه مال وثياب وجارية فردها وقال للخادم: اقرئها السلام وقل لها: إنما ناضلت عن ديني وقمت بذلك المقام لله، لم أرد بتلك تقرباً إلى أحد ولا التمست به دنيا . إنه ضمير العالم الحى اليقظ  الذى يرفض المنح والعطايا مقابل الشهادة .
** ولقد ضرب العز بن عبد السلام المثل الأعلى فى الشجاعة والحق والإنصاف من النفس ويقظة الضمير وذلك عندما وصل الزحف التترى إلى عين جالوت وصار الأمر بحاجة إلى معركة فاصلة، فعندئذ عزل الولاة ملكهم الضعيف نور الدين علي وولوا مكانه البطل القوي المتمرس بالحروب قطز، وسموه الملك المظفر. وجمع قطز القضاة والفقهاء والأعيان لمشاورتهم فيما يلزم لمواجهة التتار وأن بيت المال بحاجة إلى أموال الشعب ليتمكن من الجهاد، ووافقه كل الحاضرين على جباية الضرائب لهذا الأمر، ولم يذْكروا ما عند الأمراء من أموال. وعندئذ تكلم العز فقال: إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم، بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء، وبشرط أن يؤخذ كل ما لدى السلطان والأمراء من أموال وذهب وجواهر وحلى، ويقتصر الجند على سلاحهم ومركوبهم، ويتساووا والعامة. فلم يداهن مع المداهنين ولم ينافق مع المنافقين بل كان يقظ الضمير مرهف الحس حاضر القلب والعقل . الضمير هو الطريق إلى القوة والعزة . يقول الشيخ الغزالى رحمه الله : وإذا مات ضمير الإنسان وأنكر الحق فلن ينفعه حفظ القران ولا دراسة السنن ." يعيش الإنسان دائما بين وخز الضمير إذا استيقظ وبين ألم التحقير من المجتمع إذا غاب الضمير وحضرت المصلحة الشخصية  .
 

إقرأ ايضا