الشبكة العربية

الخميس 06 أغسطس 2020م - 16 ذو الحجة 1441 هـ
الشبكة العربية

الإرهاب صناعة خلل سياسي وليس دينيا

الكل يدرك الأزمة التي يعيشها الوطن من خلال تلك العمليات الإرهابية التي تتم بين فترة وأخرى ، ويتصاعد الغضب عندما تكون العمليات الإرهابية مستهدفة للمواطنين الأقباط ، خاصة تلك التي تستهدف من يذهبون إلى الكنائس والأديرة في مواسم الأعياد ، لا مشكلة في إدراك الجميع بوجود أزمة ، لكن المشكلة تبدأ عندما نحاول تفسير سبب الأزمة وبالتالي علاجها .
حادثة المنيا التي وقعت أول أمس لحافلة من المتوجهين لدير الأنبا صموئيل ، والتي راح ضحتها سبعة مواطنين أقباط ، فجعت بهم أسرة واحدة ، وأصيب آخرون ، جددت الحديث وجددت الآلام وجددت أيضا الخلل الذي يعتري الجميع ، الدولة والمثقفين والإعلام ،عندما يستسهلون إلقاء التهمة على انتشار الأفكار الطائفية ، وعلى التعليم الذي لا يتطور ويعزز الانقسام الطائفي وعلى الأزهر وعلى الفكر الديني ، ثم يذهب الجميع ليخلد للراحة أو يمارس حياته العادية مطمئنا أنه أدى ما عليه ، وحدد الداء ووضع الدواء ، رغم أن كل هذا الكلام هراء ، ولا يتصل بواقع ولا حقيقة ولا منطق ، ولا يتسق مع ما يحدث على الأرض بالفعل .
الإحصائيات المعلنة للأقباط المصريين الذين راحوا ضحية الإرهاب الأسود ، تقول أن عدد الضحايا وصل إلى مائة وستة وأربعين مواطنا مسيحيا خلال سبع سنوات ، وهذا الرقم يعادل أقل من نصف عدد المواطنين المسلمين الذين راحوا ضحية الإرهاب الأسود في مصر في يوم واحد وحادثة واحدة ، وهي حادثة مسجد الروضة الشهيرة في مدينة بئر العبد في شمال سيناء ، حيث قتل فيها حوالي ثلاثمائة مواطن ، هذا بخلاف العمليات الإرهابية الأخرى ، وهذا يعني ببساطة أن ضحايا الإرهاب هم مسلمون وأقباط معا ، وهذا يعني بداهة أن المسألة ليست انقساما طائفيا ، وأن الطائفية ليست هي محرك هذا الإرهاب وإنما هي أسباب أخرى .
البعض أيضا يطربه أن يتحدث عن مناهج التعليم أو الخطاب الديني الذي يتبناه الأزهر مثلا ، أو الخطاب الثقافي المنتشر في المجتمع ، ليجعل من هؤلاء جميعا المسئولين عن الإرهاب ، والحقيقة أن هؤلاء جميعا ، رغم ما يمكن أن يقدم لهم من نقد من زوايا أخرى ، إلا أنه في هذه الزاوية تحديدا ، كلهم براء من دعم الإرهاب أو تبريره أو التأسيس له ، فكريا أو علميا أو ثقافيا ، ومؤسسات التعليم هذه هي التي أخرجت ملايين المواطنين المسلمين المسالمين المعتدلين والمستامحين ، وهي التي تخرج منها جميع مسئولي الدولة ، من أول رئيس الجمهورية إلى أصغر موظف ، فلماذا لم تصنع منهم متطرفين ولا إرهابيين ولا متعصبين دينيا ، وهذه المناهج هي التي خرج منها رموز علمية ودينية وأدبية وثقافية لها هيبة وحضور عالمي ضخم ، وبعضهم نال جائزة نويل في الآداب ، وكل هؤلاء تربوا في تلك المؤسسات التعليمية ووفق تلك المناهج والمناخ الثقافي والديني .
أكثر من ذلك ، يمكن المقارنة على الجانب الآخر من العالم ، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية أو استراليا أو السويد أو ألمانيا ، فهناك تجمعات متطرفة وبعضهم يستخدم العنف ضد المسلمين ، دون أن يجرؤ أحد على اتهام مناهج التعليم هناك أو ثقافة المجتمع على أنها تولد هذه الكراهية والطائفية والأحقاد السوداء والعنف والإرهاب ، فلماذا عندما فقط نلجأ لهذا التبسيط ، وإن كانت قوة المجتمع هناك وحيوية المنظومة السياسية الشاملة تحجم من تلك النزعات وتجعلها حالات هامشية ضعيفة ومدانة .
الأزمة بوضوح كامل ، أن مصر تعيش مناخا سياسيا مظلما ، ومغلقا ، حيث تمت مصادرة النشاط العام ، الأحزاب مدمرة ، والجامعات تحت السيطرة الأمنية الكاملة ، والشارع مغلق أمام أي احتجاج ولو رمزي ، والمجتمع المدني تحت الحصار ، والنقابات تحت التهديد أو سيف التجميد ، والمؤسسات الدينية في قبضة الأجهزة ، والمؤسسات الثقافية تحت سيطرة الأمن ، وحتى الرياضة ، حتى كرة القدم ، حتى اللعب ، تحت السيطرة الأمنية وأغلقت المدرجات بالكامل ، ثم سمح بوجود رمزي .
نحن أمام مجتمع تم تجميده بالكامل تقريبا ، وهذا مناخ ملائم تماما لمولد أفكار العنف والغضب ، لأن الماء الراكد يأسن بداهة ، ويتحول إلى مستنقعات وعفن ، ولا توجد حركة مجتمع عفية لتستوعب طاقات أبناء الوطن ، وتدمجهم في فعاليات حرة آمنة وجادة وطموحة ، تستنفد قدراتهم وتفتح لهم آفاق المستقبل على الأمل ، الأزمة في مصر أزمة سياسية بالمقام الأول ، والمقام الثاني والتاسع ، وربما في المقام العاشر تبحث عن مقامات أخرى غير سياسية .
لنكن أمناء مع أنفسنا ومع وطننا ومع الناس ، الوطن في خطر نعم ، والوطن في أزمة نعم ، وفي كل مرة نعد بالتصحيح ، ولا يصحح شيء ، لأننا وصفنا أسباب الأزمة خطأ ورياءا وهروبا من مرارة الحقيقة وتكاليف قولها ، وبالتالي نبحث عن العلاج الخاطئ ، صححوا الخطاب السياسي قبل الديني ، وأصلحوا الحياة السياسية وافتحوا أبواب الأمل أمام الشباب ، واتركوا المجتمع يتنفس بشكل طبيعي ، يتبخر الإرهاب تلقائيا ، ونعيش جميعا ، مسلمين وأقباطا ، بأمن وأمان وسلام .

 

https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

 

إقرأ ايضا