الشبكة العربية

الإثنين 22 يوليه 2019م - 19 ذو القعدة 1440 هـ
الشبكة العربية

الإخوان في مرحلة ما بعد "الشرعية"

في أعقاب الإطاحة بحكم الرئيس الراحل الدكتور محمد مرسي 3 يوليو 2013 ، ومع انقشاع الرؤية الضبابية تدريجيا في صورة مستقبل الحياة السياسية في مصر ، وتأكد الجميع في النهاية على أنها دخلت مرحلة الثورة المضادة ، وحقبة مظلمة في مجال الحريات العامة والتعددية ودولة المؤسسات ، وخنق أي صوت أو رئة سياسية تحاول التنفس ، انقسم الحراك السياسي في مصر إلى قطبين ، الأول ويمثله جماعة الإخوان ـ أكثر المضارين من الأزمة ـ واعتمدت في خطابها التعبوي على فكرة "الشرعية" ، وتأسست حركات "دعم الشرعية" ، وظل نضال الجماعة حتى الآن متمحورا على استحقاق "الشرعية" ، بينما كان حراك القوى السياسية المعارضة الأخرى يتمحور حول فكرة استعادة ثورة يناير وأهدافها ، والتصدي لممارسات الثورة المضادة ، ولم تهتم تلك القوى بقضية "الشرعية" واعتبرتها هما إخوانيا خالصا ، لا يخص الحركة الوطنية المصرية بشكل عام ، خاصة وأن تلك القوى كان لها موقف سلبي جدا من تجربة مرسي والجماعة في الحكم ، كما كان أغلبهم ممن أيد الإطاحة به على يد المجلس العسكري بقيادة السيسي .
بطبيعة الحال لم يكن الجناحان السياسيان يملكان قدرة ذات بال على التأثير على مجريات الأمور والأحداث على الأرض ، نظرا للعنف البالغ الذي مارسه النظام السياسي لخنق الحياة السياسية ، وعدم السماح بأي "هفوة" أو حراك ، ولو قام به شخص واحد واستخدام الذخيرة الحية في فض مظاهرات الشوارع سواء قام به الإخوان أو أي حزب مدني آخر ، وزاد من عنف هذا "الخنق" أن النظام كان قلقا من الأجواء السابقة ، وإمكانية تحريك الشارع وفقدان السيطرة عليه من جديد ، وخاصة أن المحيط الجغرافي ما زال قلقا في ليبيا وتونس والسودان واليمن وسوريا ، والأفق مفتوح على مفاجآت وتأثيرات قد تعصف بالجميع .
بوفاة الرئيس الأسبق الدكتور مرسي طويت من الناحية العملية استحقاقات "الشرعية" ، لأنها كانت تتمحور حول شخصه ، بوصفه الرئيس المنتخب ديمقراطيا بإرادة شعبية حرة ، فلما توفي توفيت معه أزمة الشرعية ، وكان هذا خطأ منذ البداية لم يتحسب لإمكانية حدوث فراغ في حالة وفاة مرسي ، وبدون شك فإن هذا التحول الذي حدث بوفاة الدكتور مرسي صب في مصلحة جهتين ، من الناحية السياسية البحتة ، مصلحة النظام أولا ، لأنه فرغ الآن من "صداع" الشرعية ، والذي كان يقض مضجعه بالفعل حتى الأسابيع الأخيرة ، رغم كل محاولات التهوين من الأمر والاستخفاف به إعلاميا ، الآن تخفف النظام من ضغط فكرة "الشرعية" ، ولم يعد هناك نزاع ـ عمليا أو أخلاقيا ـ حولها ، وإن كان التحدي الآن للنظام ينحصر في التشكيك في شرعية الانتخابات الرئاسية الأخيرة ، بعد كل ما جرى فيها من اعتقالات وتهديدات لمن فكروا في خوض منافستها ، كما أن الأرقام المعلنة تعرضت لشكوك واسعة ، محليا ودوليا .
الجناح الآخر الذي صبت في مصلحته واقعة وفاة الرئيس مرسي ، هو الحركة السياسية المدنية المعارضة ، بمختلف توجهاتها ، لأن الساحة السياسية الآن لم تعد تعاني الانقسام في الهدف ، فلم يعد هناك من يناضل الآن من أجل عودة شرعية مرسي ، وبالتالي ، يتمحور النضال السياسي ويجتمع فرقاؤه ـ إجباريا ـ حول استعادة ثورة يناير ، والبناء من جديد ، وإن طال السفر إلى هذه المحطة نظرا لصعوبات الواقع ، لكن الشاهد ، أن أهداف النضال توحدت الآن ، حول ثورة يناير وليس حول فكرة الشرعية .
أكثر من سيعاني في المرحلة المقبلة هي جماعة الإخوان بطبيعة الحال ، وأنصارها من المعارضة الإسلامية ، لأنها ستواجه "فراغا" نضاليا ، وستكون تحت ضغط شديد للبحث عن "مشروعية" سياسية بديلة للنضال والعمل والنشاط السياسي ، فلم يعد معقولا الاستمرار في الخطاب القديم حول فكرة "الشرعية" ، لأنها من الناحية العملية انتهت ، وماتت بموت الرئيس الراحل ، وبالتالي فالإخوان الآن أمام استحقاق عاجل وملح للبحث عن خريطة نضال سياسي جديدة ، لا تتمحور هذه المرة حول فكرة "الشرعية" ، وإذا نظرنا إلى الجماعة الآن وأحوالها السياسية وعقلها السياسي الذي وضح عليه العجز والشيخوخة السياسية ، فلنا أن نتصور أن استنبات مشروع نضالي جديد لن يكون سهلا عليها في المنظور القريب .
جماعة الإخوان من الناحية العملية ، لا تستطيع أن تخوض مواجهة سياسية ضد طرفين في وقت واحد ، النظام الحاكم والقوى السياسية المدنية المعارضة ، وهي حاولت في الآونة الأخيرة البحث عن صيغة للشراكة أو التقارب مع القوى المدنية ورموزها ، لكنها لم تنجح لاعتبارات يعود أغلبها للانقسام حول فكرة عودة شرعية مرسي ، ولكن بعد وفاته ، ما زال الأمر مطروحا بقوة على الجماعة ، ولكن بحسابات سياسية جديدة .
الجماعة تشعر أنها في معزل عن الحركة السياسية العامة بأجنحتها المدنية المتنوعة ، لا هي تقبلهم ولا هم يقبلون بها ، لا هي تثق فيهم ولا هم يثقون فيها ، وتجربة عامي ثورة يناير من الواضح أنها رسخت مرارات وسوء ظن بين الطرفين يصعب تصور تجاوزه في المرحلة الحالية ، كما أن التراشق بين التيارين ما زال ساخنا وعنيفا في أي نقاش سياسي وعبر صفحات التواصل بشكل واضح .
فهل ستكون الجماعة أمام اختيار "تجرع السم" البديل ، بالعودة إلى حضن النظام من جديد ، واستعادة الموازنة القديمة التي عرفتها في عهد السادات ثم في عهد مبارك ، هل يمكن أن يكون الخيار الآن ، وربما الوحيد ، حسب تعقيدات الواقع السياسي المصري ، أن تفتح الجماعة جسور التواصل مع النظام ، والبحث عن نقطة تسوية وسط ، تسمح بإفراجات عن المعتقلين ووقف مصادرات الأموال والشركات والسماح بهامش وجود حزبي ونقابي وإعلامي محدود ومقار رمزية ، خاصة بعد أن أرهقتها الضربات المتتالية طوال السنوات الست الماضية والنزيف المالي والإنساني والتنظيمي والانقسامات التي هزت الجماعة والتجاهل الذي تعاني منه من قبل المعارضة المدنية ورموزها ، أعتقد أن هذا الخيار أصبح ـ عمليا ـ أقرب من أي وقت مضى ، خاصة وأن النظام ـ هو الآخر ـ بدأ يعاني كثيرا في الفترة الأخيرة على المستوى الشعبي والمستوى الاقتصادي ، وهناك تحسب واضح لاضطرابات شعبية قد تحدث رغما عن الجميع تحت ضغط الإرهاق المعيشي لملايين المواطنين الفقراء ، وبالتالي فالنظام ـ من جهته ـ بحاجة إلى جماعة بحجم "الجسم الشعبي" للإخوان يمكن أن تملأ فراغا سياسيا لا يريد أن تملأه حركات ثورية تعيد انتاج حراك الشعب في يناير أو هبات شعبية على غرار 17 ، 18 يناير 1977 التي هزت نظام السادات وعرضته للخطر .
في كل الأحوال ، فإن وفاة الرئيس المصري الأسبق الدكتور محمد مرسي ، فتحت أبوابا جديدة لمعادلة سياسية جديدة في مصر ، وحسابات سياسية مختلفة ، وحراك سياسي أعتقد أنه ستبدو بعض ملامحه قريبا .
 

إقرأ ايضا