الشبكة العربية

الأربعاء 08 أبريل 2020م - 15 شعبان 1441 هـ
الشبكة العربية

الأمطار.. لا هى معارضة ولا متآمرة !

منح الله الإنسان العقل، وميزه به عن سائر مخلوقاته، لكن هناك إنسان لا يستخدم عقله، أو يُعطّل استخدامه.
نجد اليوم من يرى بنفسه الإخفاق، ويدافع عنه، ويؤلف مبررات عجيبة ليقنع نفسه بأنه ليس فشلاً، إنما هو النجاح، أو في أسوأ الحالات يزعم أنه سير على طريق صحيح.
المرة الثالثة من الأمطار في غضون فترة قصيرة من هذا الشتاء كشفت مجدداً عورات البنية التحتية الجديدة، فضلاً عن تأكيد تهالك البنية القديمة، وهذا خطب جلل، ومشكلة كبرى، وانكشاف لسوء التفكير والتخطيط والتنفيذ، وبؤوس الدعاية وسقوطها.
 وهذه المعاني لا تنطلق من معارضة متهمة بالسوداوية والعمالة، إنما من الأمطار، وهى ظاهرة طبيعية لا تنتمي لبشر، ولا تتآمر على بشر، وكل المصريين، يعيشون أوضاعاً صعبة، بل مأساوية في الشوارع والبيوت، وفي كل مكان، بسبب الأمطار التي لم يفلت من متاعبها أحد حتى مناطق سكن صفوة المجتمع.
 ومع هذا، هناك من يتحدثون وكأنهم يعيشون في كوكب آخر لم تصل إليهم فيه مياه الأمطار وبحيراتها وأوحالها، ولم تتعطل الحياة عندهم، ويظلون يدّعون أنه لا مشكلة، وأين كنا، وإلى أين وصلنا، وبنية البلد كانت متهالكة، والبناء والتطوير مستمران، وتريليونات الجنيهات أُنفقت في أماكنها، ولم تذهب هباءً، ولم تجرفها الأمطار، وبلاد العالم المتقدم يحدث فيها أكثر من هذا.
هذا نمط تفكير؛ إما تبريري هروبي، أو مجامل أكثر من اللازم، أو مستهتر بلا حدود، أو مغيب بصورة مرضية، أو هو النفاق. 
وبمثل هذا التفكير، لا تتقدم أمة، ولا ينهض وطن، بل يبقى الجرح، ويستفحل المرض، ويعجز أي علاج عن شفائه، وهذه أزمة قائمة منذ عقود حيث الجرح الواحد يتكاثر إلى جروح، وحيث لا مكاشفة وتشخيص صحيحان، وبالتالي لا دواء، إنما تضخم الداء، وتحوله إلى حالة مزمنة مستعصية على التعافي.
لو كانت نزاهة القول موجودة، وشفافية الرؤية واضحة، ورقابة ومحاسبة الأجهزة والمؤسسات والشعب فعالة، لكانت البلاد سبقت، أو تساوت مع بلاد لم يكن لها تاريخ ولا ذكر طويل مثل مصر، ونذكر منها ماليزيا، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وتايوان والبرازيل، وإندونيسيا، وأما اليابان وألمانيا اللتان خرجتا مدمرتين من الحرب العالمية الثانية، فهما اليوم على قمة الاقتصاد العالمي، والرفاهية، والديمقراطية.
هذه حالة مكابرة وعناد مع النفس، وإنكارللواقع، وهى مستمرة منذ سنوات، وسببها الانقسام الحاد في المجتمع داخل النخب، وبين المواطنين، وهى وإن خفت اليوم في حجمها وكثافتها بسبب تحولات من التأييد إلى التململ، أو الصمت، لكنها لا تزال قائمة حيث يغذيها إعلام موجه منفصل عن الواقع حوله، وبقايا شرائح متناقصة من أصوات يصعب عليها الاعتراف بأن الأحلام الكبيرة يصادفها التعثر.
دور العقل هنا أن يقرأ ويتابع ويعايش الأحداث بتجرد شديد، ويتخلص من الانحيازات المسبقة، ولا ينظر للانقسامات، ولا يقف مع هذا أو ذاك، إنما عليه أن يمارس التقييم النزيه للوضع الذي هو جزء منه، ثم يحكم بنزاهة، ويقول ما له وما عليه.
فكرة التبرير الدائم، بالحق وبالباطل، والسير المتعمد عكس اتجاه الصوت الآخر، تجعل الحقيقة مشوشة، ضبابية، غير واضحة، وتمنح الأجهزة غطاءً لإخفاقاتها، وتفلت من المحاسبة، وبالتالي يتكرر نفس الخلل عشرات المرات.
وهذا ما حدث خلال ثلاث مرات مع الأمطار، في غضون أقل من ثلاثة أشهر، حيث تحولت القاهرة عاصمة البلاد التي تحظى بالرعاية والاهتمام، وفيها مراكز الحكم، وكل مفاصل السلطة، إلى عاصمة تنتمي لعالم قديم لم يدخل بعد منظومة التطور.
وإذا كان هذا هو حال القاهرة، فما بالنا بمختلف المدن في المحافظات، أما الريف فمهما كان الوصف، فلن يعكس مآسيه على الأرض.
والمحزن أن طرقاً حديثة تم افتتاحها منذ فترات قريبة تسببت الأمطار في تدميرها، كأنها طرق من كارتون أو قش، وعند افتتاحها قيل فيها قصائد من الشعر الغزلي باعتبارها ضمن المشروعات القومية الكبرى، وأحد منجزات الدولة.
التبرير لمثل هذا القصور، والتغطية عليه من الإعلام، أو التهوين مما حدث، والمراهنة على ذاكرة النسيان بمرور الأيام، كارثة أخطر من كارثة الحياة التي أصيبت بالشلل، الطرق التي انهارات، والمليارات التي جرفتها السيول، وذابت في المياه، لأن هذا يعني استمرار نفس الخلل في المشروعات قيد التنفيذ، والمشروعات المستبقلية.
ليس الغرض هنا إدانة أحد، علماً بأن المحاسبة ضرورية، إنما التنبيه إلى أن نهج (الكلفتة)، وشعار (كله تمام)، ومحاولة إرضاء رأس السلطة، يجعل البلاد تواصل الدوران في نفس الحلقة المفرغة التي لم تغادرها منذ عقود ولم تصنع بلداً متطوراً ناهضاً حقيقياً، تتجاوزه باستمرار بلداناً أخرى تأخذ بنهج الصراحة والوضوح والشفافية والمحاسبة حتى لو أنجزت في عام بطريقة صحيحة ما كانت ستنجزه في شهر بالتلفيق.
 

إقرأ ايضا