الشبكة العربية

الجمعة 18 أكتوبر 2019م - 19 صفر 1441 هـ
الشبكة العربية

الأخلاق والسياسة .. الحالة التركية نموذجا

إلى أي مدى يمكن أن نحاكم السلوك السياسي إلى مبادئ أخلاقية ؟ سؤال نمطي قديم ، لكنه شائك ، أحيانا يسهل الإجابة عليه من منطق عام بأن السياسة هي فن غير أخلاقي بالأساس ، لأنه متعلق بالقدرة على الاستفادة من مفردات الواقع وتناقضاته لتحقيق مكاسب بغض النظر عن تلك المفردات ، والسياسي يعمل عكس ما يتكلم ويتكلم عكس ما ينوي فعله ، وسوق السياسة في جوهره بيع للوهم ودغدغة لعواطف الجماهير ، وكل ذلك يمكن أن يكون صحيحا بوجه أو آخر ، من منطق السياسة ذاتها ومن رصد الواقع نفسه من جانب آخر .
لكن المشكلة تبدو أكثر تعقيدا عندما ننظر إلى فكرة "الأخلاق" من بعدها "الإنساني" ، عندما يكون "الإنسان" هو السلعة وهو الضحية لمنافسة سياسية لم يكن طرفا فيها ، أو صراع سياسي ليس له ذنب فيه ، هنا تفرض نفسها الأخلاق بشكل حاسم ، وتفرض منطقها وحساباتها على أي مشتغل بالسياسة أو حقوق الإنسان معا .
عندما ثار الشعب السوري في سياق ثورات الربيع العربي التي اجتاحت المنطقة العربية ، بحثا عن الحرية ، وشوقا للعدالة وكرامة إنسانية طالما حرم منها الإنسان العربي تحت وطأة أنظمة قمعية واستخباراتية صارمة وعنيفة ، قابل بشار الأسد تلك الانتفاضة الشعبية بالسلاح والدبابات ، حتى أطفال المدارس استقبلهم بزخات الرصاص الحي في صدورهم ، مما حول الانتفاضة الشعبية السلمية تدريجيا إلى حرب أهلية شاملة ، بعد انقسامات وقعت داخل الجيش ودخول ميليشيات إقليمية مناصرة لهذا الطرف أو ذاك ، وظهور جماعات إرهابية طفيلية تولد وتتكاثر في مثل تلك الحروب الأهلية العنيفة .
كل ذلك أدى إلى نزوح ملايين السوريين خارج بلادهم بحثا عن الأمان ونجاة من الموت المحقق ومن براميل القتل التي يلقيها طيران بشار كالحمم تدمر المدارس والمستشفيات والمخابز والمساجد ومحطات المياه والكهرباء وكل ما يمت للحياة بصلة ، وكذلك همجية جماعات الإرهاب ووحشيتها المعهودة والتي لا تقل بشاعة عن بشار وميليشياته .
كانت تركيا أكبر بلد فتح أحضانه على اتساعها الكامل للمهاجرين السوريين ، حوالي أربعة ملايين سوري ـ في أقل التقديرات ـ يعيشون الآن في تركيا ، شعب بكامله ، دولة حقيقية ، وعلى مدار ست سنوات فتحت تركيا صدرها لملايين السوريين ، ومنحتهم إقامات استثنائية ، حتى هؤلاء الذين لا يحملون جوازات سفر أو بطاقات هوية ، ومنحتهم تراخيص استثنائية للعمل والعلاج والتعليم مجانا ، متجاوزة أي قوانين تنظم هذه الجوانب للأجانب ، وعاش السوريون في تركيا في وضع أفضل نسبيا من المواطن التركي نفسه ، وتحدث اردوغان وحزبه مرارا عن استلهامهم لتاريخ "المهاجرين والأنصار" قديما ، ليضفوا على هذا العمل النبيل مشاعر دينية تجعل الشعب التركي أكثر تفهما وتسامحا .
هجرات الحروب تختلف عن هجرات اللجوء السياسي ، لأن الأولى تنزح فيها قرى بكاملها وبلاد بكل ما فيها ، من صالح وطالح ومتعلم وجاهل ومثقف وبلطجي ، وبطبيعة الحال كان لبعض المنحرفين سلوكيات ضارة جدا في المجتمع التركي ، كما أن طول فترة اللجوء التي تجاوزت الآن ست سنوات تقريبا ، أثقلت كاهل تركيا مجتمعا واقتصادا ، خاصة وأن مئات الآلاف من الأتراك عانوا من صعوبة الحصول على فرصة عمل ، لأن الضيف السوري يشغل كثيرا من المهن والأعمال ، وهناك إحصائية عن ثلاثمائة ألف مواطن تركي اضطروا للنزوح من "اسطنبول" العاصمة التاريخية والاقتصادية للدولة ، لأنهم فقدوا فرصة العمل أو فقدوا القدرة على دفع ايجارات السكن التي ارتفعت كثيرا بفعل الأجانب .
هذه الضغوط المتزايدة على مصالح المواطن التركي متوسط الحال ، مع مشكلات اجتماعية بسبب سلوكيات غير منضبة أو احتكاكات بين شبان من هنا ومن هناك أو جرائم تقع ، شكلت ارتباكا للحزب الحاكم ، الذي انحشر بين ضغط سياسي عنيف يمثله المواطن /الناخب التركي الغاضب من الوضع الذي سببه الانفتاح الزائد على اللاجئين السوريين ، وبين التزام أخلاقي تجاه الشعب السوري وثورته التي تضامن معها من اليوم الأول ، إضافة إلى حسابات أخرى مرتبطة بالأمن القومي التركي نظرا لوجود ميليشيات كردية مسلحة خطيرة في شمال سوريا متحالفة مع متمردين أكراد في جنوب تركيا ، وتركيا تعاني من التمرد الكردي المسلح الذي كلفها أكثر من أربعين ألف قتيل مدني وعسكري خلال الثلاثين عاما الأخيرة .
أزمة الأخلاق السياسية للرئيس التركي وحزبه لم تتوقف عند هذا الحد ، بل الأسوأ أن أحزاب المعارضة ، وخاصة حزب الشعب الجمهوري ، أهم وأكبر أحزاب المعارضة ، استخدموا تلك الورقة كورقة انتخابية ، ونشطت موجة كراهية وصلت إلى حدود عنصرية في مواقع التواصل الاجتماعي ضد السوريين بشكل خاص والأجانب بشكل عام ، استلهمت أدبيات شائعة لدى مماثليهم في ألمانيا وعواصم أوربية أخرى ، ورغم أن السلطات واجهتها بقدر من الحسم ، وتم القبض على عدد من المحرضين الكبار ، إلا أن الموجة لم تتوقف ، لأنها برعاية حزب سياسي كبير ، وبانعكاس واقع حقيقي مزعج ، ونجحت الضغوط التي استخدمها الحزب الجمهوري في إحراج الحزب الحاكم بشدة ، حتى أنه هناك إجماع على أن الملف السوري كان السبب المباشر لخسارة الحزب الحاكم لانتخابات بلدية اسطنبول هذا العام ، وهي البلدية التي كان يفوز بها منذ أكثر من خمسة عشر عاما متتالية .
الأزمة الآن في تركيا مشتبكة بين الأخلاق والسياسية بصورة حادة ، وأصبح اللاجئ السوري بشكل أساس ورقة ضغط سياسي وانتخابي حاسمة في الخريطة السياسية التركية ، وهناك استطلاعات أجراها الحزب الحاكم انتهت جميعها إلى أن الحزب سيواجه المزيد من الخسارة السياسية إذا لم يصل لحل لتلك الأزمة ، غير أن الانقاذ السياسي سيكون ثمنه التضحية بأبعاد أخلاقية وإنسانية ، والعكس صحيح ، فالتمسك بالموقف الأخلاقي والإنساني تجاه ملايين السوريين سيعرض الحزب الحاكم لخسارات فادحة سياسية وانتخابية لا يمكن تحمل توابعها التي قد تصل إلى فقدانه الحكم نفسه .
المعارضة تعرف هذه الأزمة التي يعانيها الحزب الحاكم جيدا ، وتضغط عليها بقوة لأنها الورقة الوحيدة التي يمكنها ملاعبته بها ، لأن الحزب ناجح سياسيا واقتصاديا وتنمويا بدون أدنى شك وحقق إنجازات مذهلة خلال السنوات التي تولى فيها الحكم ، ولذلك كسب جميع الاستحقاقات الانتخابية طوال السنوات الخمسة عشر الماضية ، في البرلمان أو رئاسة الجمهورية أو البلديات أو الاستحقاقات الدستورية ، وهذه هي المرة الأولى التي تشعر المعارضة أنها تضعه في زاوية ضيقة أو تجد له نقطة ضعف يمكنها أن تلوي ذراعه منها.
هذه هي أزمة الأخلاق والسياسة في تركيا الآن ، والجميع يراقب ما يمكن أن يفعله الحزب الحاكم للخروج من هذا الركن الخانق .
 

إقرأ ايضا