الشبكة العربية

الأحد 05 يوليه 2020م - 14 ذو القعدة 1441 هـ
الشبكة العربية

أنتيجونا.. وإكرام الميت دفنه

قالت أنتيجونا مخاطبة الملك كريون الطاغية ورجاله من الفاسدين ما معناه " أنتم تمتلكون القوة الفاسدة في إرغمام الناس علي قول وفعل كل ما يرضيكم.....وإذا كان لا بد أن أموت فلقد عرفت ذلك كل عمري...وإذا كان علي أن أموت مبكراً فإنني أعتبر ذلك مكسباً لأنني سأموت مرة واحدة...لكن رؤيتي لجثة أخي مقاة تنهش فيها الجوارح والوحوش المفترسة تُميتني كل لحظة أري فيها جثة أخي متروكة دون أن تواري الثري...". جاء ذلك في المسرحية التراجيدية اليونانية الشهيرة "أنتيجونا" لسوفوكليس، وتقوم فيها أنتيجونا بشخصية المدافعة عن الحقوق العدالة في الصراع ضد الملك وحاشيته كذلك من أجل نصرة وإحترام إرادة السماء التي تحثهم علي أن دفن الميت هو إكراماً له وكذلك لذويه، وهو أخيها الذي إعتبره الملك خائناً ورفض أن يدفن لأنه من وجهة نظره يمثل الشر، بل هدد وتوعد بعقوبة القتل لمن يدفنه، لكن أنتيجونا لم تلق بالاً لتحذيرات الملك ولم تخاف من مصيرها وقتلها تنفيذا لقانون الملك، بل دافعت عن قانون السماء والآلهة في حق الميت وإكرامه والمتمثل في دفنه.

بالتأكيد ومع الإختلاف في سياق الاحداث، فإن مرور أهل الطبيبة بوقف عصيب مرت عليهم تلك الساعات كأنها الدهر،أهل الطبيبة-64 عاماً-والمتوفية بسبب إصابتها بمرض كورونا هؤلاء كانوا يشعرون بنفس مشاعر انتيجونا بل قد تكون أكثر صعوبة ووطأة عليهم لأنها ليست خائنة أو ضد السلطة كما كان يراه من وجهة نظره الملك كريون بل هي طبيبة مثل غالبية زملائها الأطباء في مجتمعاتنا والذين ضحوا ويضحون بالكثير والكثير من أجل مرضاهم، فوجيء أهل الطبيبة عندما تجمهر أهل قرية شبرا البهو بمركز أجا محافظة الدقهلية أمام سيارة الإسعاف التي فيها جثمان الطبيبة رافضين دخولهم المقبرة ودفنها، مما إضطر قوات الأمن لتفريقهم بالغاز المسيل للدموع والقبض علي أكثر من عشرين فرداً من أهل القرية، كي يتسني لأهلها إكرام إبنتهم الطبيبة ودفنها بكرامة، لكن للأسف بعدما عاشوا لحظات وساعات عصيبة أمضاها أهل الطبيبة في خوف ومرارة وخذلان، بل سحق وإعتيال معنوي لهم أمام بعض من أهل بلدتهم الغوغاء من المتجمهرين والذين غابت فيهم العقول والمشاعر الإنسانية تاركة القياد للغريزة وشريعة الغاب.

أليس فيكم رجل رشيد؟، سؤال نردده في مثل تلك المواقف؟ وهل يترك عقلاء أي بلد أو قرية الأمور وحل المشاكل التي تواجههم برمتها لذوي الحناجر المرتفعة والصوت العالي أوبعض الجهلة الرعناء كي يتسيدوا المواقف؟، أعلم أن الكثير من الأجيال الشابة من عمر 15-25 سنة في عموم المجتمع قد تأثروا بأفلام ومسلسلات العنف والبلطجة مثل أفلام السبكي ومحمد رمضان والتي راجت في مجتمعاتنا، هؤلاء ليس لهم كبير بالمفهوم الذي نعرفه في القري والمجتمع بالعموم كل واحد كبير نفسه، لذا نراهم يتعاملون بمفهوم الغلبة للقوة والبلطجة والخارجين علي القوانين وغيرها من السلوكيات الشاذة التي يعرفها الجميع، حتي في داخل الأسرة، فإن أمثال هؤلاء لا يحترمون أبائهم بالصورة التي يرضي عنها الله ورسوله، فتجدهم يتعاملون بندية ويصرخون أويشتمون بل قد يتعدون بالضرب علي من قاموا علي تربيتهم وضحوا بكل شيء من أجلهم، وقد يصل الأمر للقتل من أجل الحصول علي المال لشراء المخدرات.  

لو سأل أهل قرية شبرا البهو أهل العلم عن فرصة نقل الطبيبة المتوفية للعدوي لهم، فسوف يخبرونهم بإستحالة نقل العدوي لهم من خلال جثة المتوفية والتي تم تجهيزها للدفن وتطهير جسدها بالمطهرات التي تقتل الفيروس، وكذلك تكفينها بإحكام فضلاً عن مرور الوقت الكافي الذي يتحلل فيه مكونات الفيروس، فضلاً علي إستحالة إنتقال سوائل أو غيره من المقبرة للآخرين، فالفيروس يظل قادر علي نقل العدوي من خلال الرذاذ الذي يخرج من المصاب، وكذلك يبقي علي الأسطح والورق فترة كما تقول أغلب الدراسات لا تتجاوز ثلاثة أيام، بعدها ييحطم مكونات الفيروس ويموت.

عموماً ونظراً لدقة حجم الفيروسات وصغرها الكبير، فهي تنتشر في حياتنا بصورة مهولة، فنحن نعيش في سحابة عامرة بالفيروسات لذا فنحن نتنفس فيروسات ونأكل ونشرب فيروسات، لكن من فضل الله علي عباده أن غالبية تلك الفيروسات-إلا قليلاً-تدخل الجسم وتخرج من مخرجات الإنسان دون أن يسبب أية مشاكل صحية للإنسان، لأنه وحتي تتم العدوي بأي فيروس ممرض يجب أن تتوفر شروط وظروف معينة مثل تواجد الفيروس في أماكن الجسم التي بها مستقبلات متخصصة لهذا الفيروس، كذلك درجة حرارة مناسبة لإرتباط الفيروس بمستقبلاته إضافة إلي عوامل اخري يعتمد بعضها علي العائل وبعضها يعتمد علي الفيروس والأعدد التي يتواجد بها الفيروس.
 

إقرأ ايضا