الشبكة العربية

الأحد 22 سبتمبر 2019م - 23 محرم 1441 هـ
الشبكة العربية

أحزان دفتر أرقام الهواتف !

منذ سنوات عديدة لم أقم بتحدث دفتر أرقام الهواتف الخاص بي ، كنت قد أعددت الدفتر على برنامج "اكسيل" في نظام ويندوز ، ولضعف الاعتماد على الذاكرة ، والتوسع المستمر في أرقام الهواتف كنت أسجل كل جديد فيه ، كذلك كان الخوف من فقدان الهاتف بعد ذلك أو حدوث طارئ له يضيع "ذاكرة" الصداقة ، فكان وضع الدفتر على الكومبيوتر وأحيانا الاحتفاظ به في البريد الالكتروني للاحتياج إليه دائما في السفرات والتنقلات داخل البلاد وخارجها .
هذا الأسبوع جرى على خاطري أن أراجع الدفتر الذي تضخم ، وأنقحه ، وأن أزيل ما انقطعت الصلة بهم لسبب أو آخر ، وخاصة لعارض الموت ، أطال الله أعماركم ومتعكم بالعافية ، ولم أكن أتصور أن هذا الإجراء "الإداري" سوف يسبب لي كل هذا الألم وكل تلك الأحزان التي سيطرت على خاطري ووجداني .
أسماء شغلت مساحات زمنية ووجدانية وفكرية وإنسانية طويلة في حياتك ، وأنت تمحوها الآن ، كأنها صفحة طويت ، وجسر من الود والاحترام والتواصل الإنساني الجميل ، انهدم وتلاشي ، كأن لم يكن ، كأنه كان حلما عشناه ثم أفقنا على أنه تبخر عند الصباح .
وبقدر ما كانت عملية إزالة ما هو حديث الفقد والغياب مؤلمة ، إلا أنه لم تكن أكثر إيلاما ممن طالت غيبته ، وابتعد كثيرا في أعماق الذاكرة ، وتراكمت عليه الأحداث والأشخاص والأفراح والأتراح والطموحات الفائزة والأخرى المنكسرة .
عندما تقف ـ مثلا ـ على اسم الصديق العزيز جمال خاشقجي ، رحمه الله ، وتبدأ في إزالة بياناته وأرقام هاتفه وإيميله ، يقفز لك فوق الفأرة "الماوس" أو أمامك يستولي على شاشة الكومبيوتر ، يفرض نفسه عليك وهو يمازحك مبتسما في دعوة غداء ، أو يشاغبك ممازحا في التواصل الخاص على "تويتر" أو بجدية أكثر في لفتة مهمة ينبهك لها على الواتس ، أو ملامح وجهه الشاردة وهو يتذكر أمامك وأنتم تحتسون الشاي أو القهوة أحوال بلاده وحيرته من صورة مستقبلها ، وتشعر أنه غاب عن الجلسة أو رحل بمشاعره بعيدا عن المكان ، كل هذا يعاند قرارك الآن بأن تمحو بياناته ، ذاكرته ، جسور التواصل معه ، لأنك لن تراه بعد اليوم ، ولن تحدثه ، ولن تتصل به أو يتصل بك ، لن يأتي بعد اليوم أبدا في دنيا الناس .
ذاكرتي ليست بحال جيدة ، لذلك يصعب علي أن أتذكر أسماء عشرات الشخصيات التي كان لها حضورها في قلبي أو عقلي أو مشاعري أو حياتي العملية ، وكان لهم فضل علي لا أنكره ، بدرجات متفاوتة ، أذكر أني توقفت عند أسماء كثيرة ، توقفت عند الأستاذ أنور الجندي ، ذلك الباحث الزاهد الدؤوب الذي ملأ المكتبات العربية بمؤلفات موسوعية أحيانا ، وتربت عليها أجيال ، وكنت أتعجب من سكناه في شقة صغيرة بحي شعبي في الجيزة ، أثاثها شديد التواضع ، وأغلب مساحتها مشغول بالكتب أو أرشيف الصحف والمجلات ، حياته كفاف ، وكان بسيطا رقيقا هامسا ، إذا انقطعت المياه عن المبنى الذي يسكنه ، يحمل "جركن" بلاستيك بعد صلاة الفجر ليملأه ويضعه أمام باب جيرانه كما أخبرني أقاربه ، فهو لا يحكي لي مثل هذه الأمور أبدا .
توقفت عند اسم الدكتور عبد الوهاب المسيري وصبره في إنجاز موسوعته عن اليهود والصهيونية ، ومعاناته مع المرض ، ورفضه أن نبحث عن جهة تتولى علاجه في أمريكا بعد أن خذلته بلده وأدارت له ظهرها ، وندواته الفكرية في بيته "ديوان المديرية" كما كان يسميه ، وانفعالاته غير المتكلفة على أحوال بلده وغياب الحريات ، والإهانة التي تلقاها ـ على كبر سنه ـ عندما شارك في وقفة احتجاجية بنفسه في الشارع وأمام نقابة الصحفيين قبل ثورة يناير .
توقفت عند اسم أحمد نبيل الهلالي ، المحامي اليساري النبيل اسما وسلوكا ، وتجرده أمام القضايا الإنسانية ، وأنا شخصيا وجدته بجواري في بعض القضايا التي اعتقلت فيها ، مدافعا عني ومتضامنا معي ، رغم أن ايديولوجيتي غير أيديولوجيته ، وقضيتي غير قضيته ، وهمي غير همه ، لكن حبه للعدل ، وإنسانيته الصافية ، كانت تجعله يطفو فوق كل تلك الحواجز ، ليتضامن معك كمظلوم يعرف أن السلطة تتحرش به وتتغول عليه .
الدكتور عبد الحليم مندور المحامي والقيادي الوفدي الذي أفنى جزءا كبيرا من حياته دفاعا عن الإسلاميين بمختلف تياراتهم وعن اليساريين بمختلف توجهاتهم وعن كل مظلوم ، والدكتور عبد الحليم عويس المفكر والمؤرخ المعروف والدكتور إبراهيم الدسوقي شتا مترجم علي شريعتي للعربية، والعشرات من المفكرين والكتاب والأدباء والشعراء والمحامين والمناضلين ، فضلا عن العشرات من الأقارب وذوي الأرحام وأصدقاء الطفولة الذين تخطفهم الموت من حولك واحدا تلو الآخر والذين تتجدد ذكراهم في نفسك عندما تستحضرهم بعض الوقائع أو الذكريات ، وقد جددت مشاعر الألم بفقدهم تلك المحاولة التي أجريتها لتحديث دفتر الهاتف .
أسماء كثيرة ، كانت لها بصمة واضحة في حياتي ووعيي أحيت ذكراها محاولة محو أرقام هاتفها من دفتر الهواتف ، القاضي الجليل يحيى بك الرفاعي رمز كرامة القضاء والشموخ الحقيقي للقاضي ، الحاج حسين عاشور الإنسان الصافي الذي فتح لنا أبواب الصحافة ونحن شباب صغير بمحض روح الأبوة والعطاء ، صلاح عيسى اليساري الموهوب والمدهش في قراءته لتاريخ الوطن الحديث والذي كسره انكسار اليسار وأصابه ما أصابه من إحباط رغم كل ما قدمه في شبابه من تضحيات وعناد بحثا عن الحرية والعدالة ، عادل حسين الصحفي الذي لم أصادف مثيله في جسارته ونبله والذي فتح لمقالاتي صفحات كاملة من صحيفة الشعب رغم أني لم أكن عضوا في حزبه ولا صحفيا في جريدته ، الدكتور محمد يحيى أستاذ الأدب الانجليزي والمفكر الفذ الذي هضمه قومه ، فريد عبد الخالق الرمز الإسلامي الثابت على مبادئ الاعتدال والحكمة والمصر على الحصول على درجة الدكتوراة في سن الثالثة والتسعين ، وقد نالها ، الدكتور محمد يوسف عدس المفعم إخلاصا للأمة والإنسانية وأهم مترجم لأعمال علي عزت بيجوفيتش ، محمد حلمي الصحفي الساخر صانع الضحكة الصافية ومنتزع البسمة من الشفاه الحزينة ، الدكتور عصام دربالة الإسلامي النبيل الذي كان يحلم بوطن أكثر عدلا وطهرا ودفع حياته ثمنا لقضيته ، ومات في محبسه ظلما وتجبرا .
مع كل فقد تتعرض له ، من صديق أو قريب أو رفيق طريق ، يموت بعض منك ، وتموت فعليا مساحة من وجدانك وأحلامك وآمالك ، حتى نصل إلى اللحظة نفسها ، التي نصبح فيها مثلهم ، مجرد ذكرى يمحوها آخرون من دفتر هواتفهم .
لا تسعفني الذاكرة المثقلة بالهموم ، رحم الله الجميع ، وقديما قالوا : الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا .

 

https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

 

إقرأ ايضا