الشبكة العربية

الثلاثاء 14 يوليه 2020م - 23 ذو القعدة 1441 هـ
الشبكة العربية

آباء وأبناء .. من غرائب المثقفين

مشكلة كبيرة عندما تولد ووالدك قامة فكرية أو سياسية أو دينية كبيرة ، وصاحب حضور طاغ في دنيا الناس ، مشكلة أن تحاول الخروج من جلبابه ، من عباءة شهرته ، وأن تخرج من ظله الظليل ، وتقول : ها أنا ذا !
هذه الحالات ، وقد تكررت مع شخصيات مرموقة عديدة في الحياة الثقافية والدينية والسياسية العربية ، تؤدي أحيانا إلى نوع من التمرد على وجهة الأب وتوجهاته ، سواء الفكرية أو الدينية أو السياسية ، بنوازع من إثبات الذات أكثر منها اختلاف حقيقي في الخبرات الإنسانية والاختيارات الفكرية أو غيرها .

قبل حوالي عشرين عاما أصدرت في القاهرة مجلة فكرية فصيلة اسمها "المنار الجديد" ، وكان الهدف منها أن تكون جسرا فكريا للحوار بين التيارات الفكرية العربية ، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، من القوميين إلى الليبراليين إلى اليسار إلى الإسلاميين ، وقطعنا شوطا كبيرا فيها بالفعل ، وحدثت عبرها مناظرات رصينة بين شخصيات فكرية من العيار الثقيل ، وكان لها حضور في الأوساط الثقافية في أكثر من عاصمة عربية بالفعل .

ذات يوم أرسل إلينا المفكر الكبير الدكتور جلال أمين مقالا للنشر ، أو ردا على أحدهم ، وجلال من رموز الفكر المصري الحديث بالفعل ، ومن رموز اليسار المصري الكبار ، ومفكر اقتصادي اجتماعي من طراز رفيع ، وهو ابن قامة فكرية كبيرة أيضا ، من رموز الفكر المصري والعربي ، وهو الأستاذ أحمد أمين ، رحمه الله ، صاحب "فجر الإسلام" .
نشرنا المقال ، ومعه اسم الكاتب "د.جلال أحمد أمين" ، وبعد أيام كان اتصال حاد يأتيني من الدكتور جلال ، يعاتبني فيه بشدة على كتابة الاسم بهذه الطريقة ، ويقول : أنا أرسلت لكم المقال باسم "جلال أمين" ، من أين أتيتم باسم "جلال أحمد أمين" ، قدمت له اعتذارا كافيا وقتها ، لأنه كان محقا ، لأنه بالفعل أرسل الاسم "جلال أمين" ، ومن يومها ونحن نلتزم باسم الكاتب كما كتبه ، تحاشيا لأي لبس .
جلال قامة فكرية كبيرة ، وأبوه قامة فكرية أرفع وطبقت شهرتها الآفاق ، لكن جلال مفكر بذاته ، ومشهور بذاته ، ولا يحتاج إلى إضافة اسم أبيه إلى اسمه لكي يعرفه الناس ، أو يقدره القارئ ، أو يضعه في موضعه اللائق ، هو المفكر جلال أمين ، وليس المفكر جلال ابن أحمد أمين .

الالتباس نفسه حدث عندما نشرنا قصيدة للشاعر المرموق "عبد الرحمن يوسف" ، وعبد الرحمن شاعر موهوب ومؤسس لغويا بمستوى رائع ، وهو شاعر معروف خاصة في وسط النخبة السياسية المصرية ، عندما نشرنا القصيدة كتبنا أمامها الاسم "عبد الرحمن يوسف القرضاوي" ، وغضب الشاعر المرموق وقتها بشدة ، وعنفنا قائلا : أنا كتبت الاسم : عبد الرحمن يوسف ، لماذا تجتهدون بالزيادة ؟ من سمح لكم بذلك ؟ ، طبعا اعتذرنا له أيضا ، لأنه بالفعل أرسل الاسم كذلك .
عبد الرحمن شاعر مرموق ، لكنه ابن علم من أعلام الفكر والثقافة والعلوم الدينية وهو العلامة الشيخ يوسف القرضاوي ، لكنه لا يريد أن يظل عمره كله رهينا بالاتكاء على رمزية الوالد أو شهرته أو حضوره الكبير ، ومن حقه أن يخرج من "جلباب الرمز" وأن يقول : ها أنا ذا ، وهو بالفعل كون شخصية متفردة في عالم الثقافة والأدب ، هو عبد الرحمن يوسف ، وليس عبد الرحمن ابن يوسف القرضاوي .

هذه الأزمة تتحول أحيانا إلى ردات فعل عكسية تماما ، وهو ما حدث مع رمز ديني كبير ، وهو الشيخ عبد اللطيف المشتهري ، رحمه الله ، وكان رئيس الجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة المحمدية ، وكان لها قديما وهج كبير وحضور كبير في الحالة الدينية والوسط السلفي بشكل خاص ، وكان رئيس الجمعية يطلق عليه لقب عرفي في مصر وهو "إمام أهل السنة" ، والشيخ عبد اللطيف كان له ـ شخصيا ـ حضور كبير ، بمؤلفاته ومحاضراته وجولاته في عموم مصر .
الدكتور محمد عبد اللطيف ، ابن الشيخ المشتهري ، اتخذ طريقا عكس والده تماما ، إذ أنه أنكر حجية السنة ، وشكك فيها ، واعتبر أن القرآن وحده هو مرجعية المسلمين ، وأصبح أحد كبار من يسمون بالقرآنيين "منكري السنة" ، وبدون الدخول في تفاصيل كثيرة ، فرؤية القرآنيين شديدة السطحية وتفتقر إلى الأدلة العلمية الرصينة ، لكن الشاهد ، أن نزعة "الإبن" للخروج من "جلباب الأب" ، مع غياب الملكات المتفردة ، دفعه لنقض دعوة أبيه وأفكاره وما كان يؤمن به تماما .

غرائب حساسية المثقفين لا تتوقف عند الخروج من "جلباب الأب" ، بل تتصل أحيانا بتقديرات تستعصي على الاستيعاب لمن لم يكن على تماس مع أصحابها ، وكانت الأديبة الكبيرة صافي ناز كاظم ، تغضب غضبا عارما ، ويمكن أن يصل للقطيعة مع أي مجلة أو صحيفة تكتب اسمها أمام مقالاتها باسم "صافيناز" ، بالأحرف مشبوكة ، فهي حريصة بجدية تامة على أن تكتب مفردة هكذا "صافي ناز" ، وإذا تكررت من الصحيفة أو المجلة فاعرف مسبقا أنها ستكون قطيعة العمر ولن تتواصل معهم بعدها أبدا ، قد يصعب على القارئ استيعاب وجه الخلاف بدقة ، أو أهميته ، هي أمور لا تقبل النقاش ، نفذ ولا تتظلم !


 

إقرأ ايضا