الشبكة العربية

الجمعة 20 سبتمبر 2019م - 21 محرم 1441 هـ
الشبكة العربية

رفضت الزواج وأفنيت عمري في خدمة أشقائي وهكذا جحدوا حقوقي

images

السلام عليك و رحمة الله
لا أعرف من أين أبدأ ، لكني محتاجة أتكلم ، أشكو ، أفضفض .. و ربما لا أجد عندك حل لمشكلتي ، ربما تأخر الوقت كثيرا و مرت السنوات سريعا دون أن أشعر .
كان والدي موظف بسيط ، أب لسبعة من الأولاد و البنات . عانى كثيرا لتوفير ضروريات الحياة لنا . زادت مشاكله المادية مع مرض أمي . فكر والدي في أن يطلب من أخي أن يترك الدراسة ليساعده في مواجهة طلبات أخوتي الصغار ، لكن أمي بكت و رفضت بشدة . كنت أنا في الصف الثالث الثانوي و عندي أحلام ، مثل كل البنات في الصف، بالذهاب للجامعة . لم أفكر في الكليات المرموقة لعلمي أن والدي لن يستطيع توفير نفقات كلية الهندسة أو الطب و غيرها من الكليات العملية . لكن بعد ظهور النتيجة ، جلس معي والدي ، و صارحني أنه لم يعد يستطيع  أن يوفي بمتطلبات تعليمنا جميعا ، و أنه مدً يده و استدان حتى أنهي دراستي الثانوية . و أضاف أن أمي محتاجة لمن يحمل عنها الأعمال المنزلية . كان أبي يتكلم و لا يستطيع النظر الي عيني ، كان يعلم أني قبل ذهابي للمدرسة أجهز سندويتشات اخوتي الصغار و اسعادهم في ارتداء الزي المدرسي و بعد عودتي أجهز الغداء و اغسل الطباق ثم أسعاد الصغار في الواجبات المدرسية .
كانت متعتي الوحيدة القراءة ، كنت استعير من مكتبة جارتنا كتب في التاريخ و الفلسفة و الأدب و التراث ، لأن زوجها كان استاذ في قسم الفلسفة . مرت الأعوام دون أن أدري ،تخرج الكبار من الجامعة ، ثم توفت والدتي ، رحمها الله ، و تزوجت أختي الصغرى بعد ان اكملت دراستها ، و بقيت مع والدي الذي وصل لسن التقاعد في البيت . و كما ربيت أخوتي ، ربيت أطفالهم و أنا سعيدة بكل طفل جديد يأتي ، و العائلة الصغيرة تكبر و تكبر . ثم تزوج أخي الأصغر معنا في البيت و تحملت مضايقات عروسه و تلميحاتها أنني عانس فاتها قطار الزواج ، حتى سافرت مع أخي إحدى الدول العربية .
استمريت في أداء الدور الذي اختاره لي الله سنوات حتى بعد وفاة والدي ، و كنت أشعر أنني اصبحت كقطعة من أثاث البيت ، يأتون في المناسبات و الأعياد يجتمعون و يقضون وقتا ممتعا ، يأكلون و يشربون و يتركون البيت في حالة يرثى لها .
ذات يوم ، اجتمعوا على غير العادة و تحدثوا في مقدمة طويلة عن غلاء الاسعار و عن الدنيا التي تضطرنا لاتخاذ قرارات نكرهها .. كنت أفكر و هم يتناقشون في تجهيز المكرونة بالباشاميل التي يحبها عادل و في البسبوسة التي يفضلها الصغار. حينما فجأوني بقرار بيع الشقة التي أعيش فيها وحدي بعد وفاة والدي و تقسيم ثمنها بالقسمة الشرعية . الوحيد الذي رفض البيع من أجلي هو أخي الذي يعيش في الخارج .
و أنا اليوم لا أعرف أين أذهب ، فنصيبي لن يشتري لي خمسة أمتار في أي منطقة شعبية  ، و لن يكفي المبلغ لإيجار شقة بعد ارتفاع سعر الايجارلمدة عامين . لا أملك من حطام الدنيا الا المعاش البسيط الذي أنفقه كله على الصغار ، "هدى" تحتاج شنطة للمدرسة ، و "محمد"  مزق البنطلون في لعب الكره ...
 هل يكون مصيري دار للمسنين بعد أن ضحيت بعمري من أجلهم ؟ هل جزاء الإحسان الا الإحسان ؟

الرد ...
و عليك السلام و رحمة الله و بركاته
أمنا العزيزة و أختنا الغالية ... تعجز الكلمات أحيانا .. و تختفي الحروف ... أمام صفحات التضحية و الوفاء و إنكار الذات . لا أنكر أنني توقفت كثيرا أمام رسالتك ، مشاعر متضاربة إحساس بالفخر و الامتنان من ناحية ، و شعور بالغضب المكتوم و الحنق الشديد .
حبيبتي ... أشكر لك في البداية الثقة التي منحتيني إياها . حاولي التعبير عن إنفعالاتك بحرية تامة ، عبري عما تعانين منه ، تحدثي عن ألمك و ابكي اذا شعرتي بالحاجة للبكاء . البوح لشخص آخر أمر جيد . لقد سطرتي صفحات من التضحية و التفاني و إنكار الذات ، يشعر بجانبها الانسان بالضآلة . لكن دعينا نبحث عن حلول لمشكلتك قبل أي شئ .
لن أطلب منك مزيدا من العطف و التسامح و العفو و الصفح فقليل من البشر قادرون على ذلك بعد ما سردتيه في رسالتك . في البداية تحدثي مع أخوتك بكل صراحة و اشرحي مخاوفك بوضوح . فإن تشبثوا بموقفهم و صموا آذانهم ، اطلبي التدخل من العقلاء في العائلة . و إذا فشلت هذه المحاولات الودية ، عليكي التنويه  الى أن القانون لن يسمح لهم بطردك في الشارع خاصة أن حصتك و حصة أخيك لا تسمح لهم – من الناحية القانونية – بالبيع . و أنك ستلجأين الى القضاء إذا لزم الأمر للدفاع عن حقك في حياة مستقرة كريمة في هذه المرحلة من العمر و بعد كل ما قدمت من تضحيات .
 عزيزتي ... قد يكون إنكار الذات مفيدا في بعض الحالات لكنه يكون ضارا في حالات أخرى . بمعنى أنه حين نفني أنفسنا في خدمة الآخرين و السهر لتلبية احتياجاتهم ، فاننا ننتظر في المقابل أن يدعمنا الآخرون بمشاعر الدفء و الحب و الاحترام و التقدير لما بذلناه من أجلهم . علينا أن نفهم ذواتنا و نحبها و نقدر قيمتها و نحبها بسلبياتها و ايجابياتها و هذا هو معنى تقدير الذات . في المقابل ، نجد أن من لديه القدرة على إنكار الذات دون اهدار حقها ، ينعم بسلام نفسي و سعادة لا يشعر بها و لا يدركها أحد .


للتواصل  [email protected]
أو الفيس بوك : https://www.facebook.com/hmsatelqlop99/

إقرأ ايضا